في مدينة كارور الصغيرة جنوب الهند، لا يبدو صعود الذكاء الاصطناعي مجرد قصة عن آلات تحلّ محلّ البشر. في وقت تهدد التكنولوجيا وظائف تقليدية، ظهرت صناعة جديدة تعتمد على آلاف العاملين الذين يدربون النماذج الذكية، ويراجعون أخطاءها، ويزودونها بالبيانات التي تحتاج إليها لفهم العالم وأداء المهام التي كان البشر يقومون بها.

وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، أصبحت صناعة "تعليم البيانات" أو "تصنيف البيانات" مصدرا متناميا لفرص العمل في الهند، حيث يساعد العاملون نماذج الذكاء الاصطناعي على التعرف إلى الصور والحركات والمهام اليومية، من قيادة السيارات إلى تشغيل الروبوتات المنزلية.

غير أنّ هذا النمو يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول ما إذا كانت هذه الوظائف تمثل فرصة طويلة الأمد، أم مجرد مرحلة انتقالية قبل أن تصبح الآلات قادرة على تدريب نفسها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

مدينة هندية تتحول إلى ورشة لتدريب الذكاء الاصطناعي

في كارور، التي يبلغ عدد سكانها نحو 440 ألف نسمة، يعمل مئات الشباب في شركات متخصصة في تصنيف البيانات. ويقضي بعضهم ساعات طويلة أمام الشاشات لمراجعة مقاطع الفيديو، وتحديد تفاصيل الحركات والأشياء، ومراقبة أداء نماذج الذكاء الاصطناعي.

وتعدّ شركة Objectways Technologies من أبرز الشركات العاملة في هذا المجال، إذ توظف نحو 2600 شخص، بينهم 300 تمّ تعيينهم خلال شهر واحد. ويعمل موظفوها على تحليل تسجيلات مرتبطة بالسيارات ذاتية القيادة والروبوتات البشرية، وتحديد مدى نجاحها في تنفيذ المهام المطلوبة.

ولا يقتصر العمل على المكاتب، إذ يمكن لبعض العاملين تسجيل بيانات من منازلهم، عبر تثبيت هواتف ذكية على أجسادهم وتوثيق أنشطة يومية مثل تقطيع الخضراوات أو ترتيب السرير. وتستخدم هذه التسجيلات لاحقا لتدريب الروبوتات على فهم كيفية تنفيذ البشر للمهام اليومية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وظائف جديدة في مواجهة خسائر سوق العمل

يأتي توسع هذه الصناعة في وقت تواجه الهند تحديا كبيرا يتمثل في توفير وظائف لشريحة شبابية واسعة، إذ يبلغ نحو مليوني هندي سن 18 عاما كلّ شهر، بينما لا يزال العثور على وظائف مستقرّة ومؤهلة يمثل مشكلة رئيسية لكثير من الخريجين.

وتوفر شركات تصنيف البيانات دخولا مستقرة نسبيا في مدن مثل كارور، حيث تتراوح رواتب بعض الوظائف المكتبية للمبتدئين بين 210 و260 دولارا شهريا، بينما يحصل العاملون المستقلون الذين يسجلون مقاطع من منازلهم على نحو 2.5 دولار في الساعة مقابل الموادّ القابلة للاستخدام.

لكن المفارقة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي نفسه يلغي وظائف كانت تشكل مصدرا رئيسيا للعمل في الهند، مثل إدخال البيانات وبعض الأعمال التقنية.

ويشير تقرير صادر عن مركز بحثي حكومي عام 2025 إلى أن ما يصل إلى 1.5 مليون وظيفة في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات قد تختفي بسبب التغيرات التي يقودها الذكاء الاصطناعي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هل تصبح الهند مركزا عالميا لتدريب الآلات؟

ترى الحكومة الهندية أن عدد سكان البلاد، البالغ نحو 1.4 مليار نسمة، يمكن أن يتحول إلى ميزة في سباق الذكاء الاصطناعي، خصوصا في المجالات التي تحتاج إلى معرفة بشرية أو لغوية لا تزال الآلات عاجزة عن توفيرها بالقدر نفسه من الدقة.

وتستفيد الهند من تنوعها اللغوي والثقافي، ما يجعلها مصدرا ضخما للبيانات التي تحتاج إليها الشركات لتطوير منتجات قادرة على التعامل مع مجتمعات وأسواق مختلفة. وتشمل التطبيقات الحالية تدريب الروبوتات على الأعمال المنزلية، وتطوير أدوات لمساعدة المكفوفين، إلى جانب مجالات أخرى تعتمد على فهم السلوك البشري والبيئة المحيطة.

ويتوقع محللون أن تسهم صناعة تصنيف البيانات بما يصل إلى 10 مليارات دولار في الاقتصاد الهندي بحلول نهاية العقد، لكن حجمها لا يزال محدودا مقارنة بحجم التحدي الذي تواجهه البلاد في سباق الذكاء الاصطناعي. ولهذا أطلقت الحكومة الهندية في عام 2024 خطة بقيمة 1.25 مليار دولار على مدى ٥ سنوات لتعزيز قدراتها في هذا القطاع.

وبينما يتعلم الروبوت كيف يحمل فنجان قهوة أو يرتب طاولة، يبدو أن العنصر البشري لا يزال جزءا أساسيا من العملية. لكن السؤال الذي يواجه العاملين في كارور هو إلى متى ستحتاج الآلات إلى البشر لتعليمها.