كشفت دراسة امتدت 15 عاما عن تراجع واضح في عدد الكلمات التي ينطق بها الناس يوميا، بالتزامن مع توسع الاعتماد على الهواتف الذكية والتطبيقات والخدمات الرقمية.
وبينما سهلت التكنولوجيا إنجاز كثير من المهام من دون الحاجة إلى الحديث مع الآخرين، يحذر باحثون من أن الخسارة لا تقتصر على الكلمات، بل قد تمتد إلى الروابط الاجتماعية والقدرة على التواصل وبناء العلاقات.
وبحسب تقرير نشرته التلغراف، انخفض متوسط عدد الكلمات المنطوقة يوميا من 16632 كلمة عام 2005 إلى 11900 كلمة عام 2019، أي بتراجع بلغ 28% خلال فترة الدراسة.
دراسة تكشف تراجعا في الحديث اليومي
اعتمدت الدراسة التي أجراها عالما النفس فاليريا فايفر من جامعة ميزوري كانساس سيتي، وماتياس ميل من جامعة أريزونا، على بيانات آلاف المشاركين في أوروبا والولايات المتحدة، تراوحت أعمارهم بين 10 و94 عاما.
وحمل المشاركون أجهزة صغيرة سجلت عينات من أحاديثهم اليومية، ما أتاح للباحثين قياس حجم الكلام المتبادل على مدى سنوات. وأظهرت النتائج أن متوسط ما يفقده الفرد يبلغ 338 كلمة يوميا كل عام، أو ما يعادل نحو 120 ألف كلمة أقلّ سنويا مقارنة بالعام السابق.
ويقول ماتياس ميل إن الجزء الأكثر تراجعا هو الأحاديث العابرة مع الآخرين، بما في ذلك اللقاءات القصيرة مع الغرباء، وهي محادثات يراها توفر فرصا صغيرة لكنها مهمة للشعور بالانتماء.
التكنولوجيا تسرق فرص اللقاء والكلام
ترى فاليريا فايفر أن التكنولوجيا لعبت دورا رئيسيا في هذا التحول، إذ تزامنت فترة الدراسة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وتطبيقات المراسلة والخدمات الرقمية التي قللت الحاجة إلى التواصل المباشر.
فأصبح بالإمكان طلب الطعام، وإجراء المعاملات المصرفية، وشراء المنتجات، وحجز المواعيد، أو الوصول إلى أي مكان باستخدام الخرائط الرقمية، من دون سؤال شخص غريب أو إجراء حديث عابر معه. وتقول فايفر إن "المذنب بالتأكيد هو التكنولوجيا"، مشيرة إلى أنّ كثيرا من التطبيقات ساعدت على تقليص الاحتكاك اليومي بالآخرين.
ويحذّر عالم النفس التطوري روبن دنبار من جامعة أكسفورد من أن التواصل المباشر يحمل قيمة لا تستطيع الرسائل النصية أو الرموز التعبيرية تعويضها بالكامل، خصوصا في بناء علاقات جديدة. ويقول إن الحديث العابر مع المعارف والغرباء يمكن أن يعزز الشعور بالترابط والانتماء داخل المجتمع.
الشباب الأكثر تأثرا وخطر يهدد مهارات التواصل
تشير نتائج الدراسة إلى أن الفئة الأصغر سنا سجلت التراجع الأكبر، إذ فقد من هم دون سن 25 عاما نحو 451 كلمة يوميا، مقابل 314 كلمة لدى الفئات العمرية الأخرى.
ويرى دنبار أن المشكلة تتجاوز مجرد قلة الكلام، لأنّ مهارات التعامل مع الآخرين تحتاج إلى ممارسة مستمرة. ويقول إن الشباب يحتاجون إلى سنوات طويلة لاكتساب مهارات التواصل في عالم البالغين، محذرا من أن تراجع هذه الممارسة قد يزيد الشعور بالعزلة وعدم الثقة.
وتدعم دراسات أخرى هذه المخاوف. فقد أظهرت تجربة أجرتها جامعة شيكاغو أن أشخاصا توقعوا أن الحديث مع الغرباء سيكون تجربة غير مريحة، لكن الذين بدأوا بالفعل محادثات مع غرباء قالوا إنهم استمتعوا بتجربتهم أكثر من الذين بقوا صامتين.
أما روبرت والدينغر، الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، فيرى أن التفاعل الإيجابي حتى مع الغرباء يمكن أن يعزز الشعور بالأمان والرفاه. لكن مع تراجع الأحاديث اليومية، يخشى خبراء من أن يصبح المجتمع أكثر عزلة، وأن تتحول الراحة التي توفرها التكنولوجيا إلى عامل يقلل تدريجيا من إحدى أهم مهارات الإنسان: القدرة على التواصل مع الآخرين.





