لطالما اعتبر مستخدمو الإنترنت اختبارات "كابتشا"، CAPTCHA، مجرد حاجز أمني للتأكد من أن من يتصفح الموقع هو إنسان وليس برنامجا آليا. عندما يطلب الموقع من المستخدم اختيار صور تحتوي على حافلات أو إشارات مرور، أو تحريك قطعة أحجية إلى مكانها، أو الضغط على عبارة "أنا لست روبوتا"، يبدو الهدف واضحا: منع الروبوتات من إغراق المواقع بالزيارات الوهمية.
لكن هذه الاختبارات الصغيرة أصبحت في السنوات الأخيرة محور جدل واسع حول دورها في تطوير الذكاء الاصطناعي. فقد أثارت تقارير وتساؤلات على الإنترنت شكوكا بشأن استخدام البيانات التي ينتجها ملايين المستخدمين يوميا في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصا تلك المتعلقة بالتعرف على الصور والقيادة الذاتية.
ووفقا لصحيفة إل باييس الإسبانية، تصاعد الجدل بعد انتشار منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وتغيير غوغل شروط استخدام خدمة "ري كابتشا" (reCAPTCHA)، ما أعاد طرح سؤال أساسي: هل ساهم مستخدمو الإنترنت، من دون علمهم، في بناء قواعد البيانات التي تحتاجها شركات التكنولوجيا لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي؟
من حماية المواقع إلى تدريب الخوارزميات
تعود جذور نظام كابتشا إلى بداية الألفية، عندما ابتكر عالم الكمبيوتر الغواتيمالي لويس فون آن خدمة "ري كابتشا" بهدف مكافحة الروبوتات التي كانت تعجز آنذاك عن حل الاختبارات البصرية والنصية.
لكن النظام كان يحمل هدفا إضافيا: الاستفادة من جهود المستخدمين في رقمنة الكتب القديمة. فقد كانت الكلمات التي يعجز الحاسوب عن قراءتها تعرض على ملايين المستخدمين، وعندما يتفق عدد كبير منهم على تفسيرها، تستخدم النتيجة لتحسين قدرة الخوارزميات على قراءة النصوص.
استحوذت غوغل على "ري كابتشا" عام 2009، ووسعت استخدامها في مشاريع رقمنة ملايين الكتب والصحف. وخلال سنوات، لم تخف الشركة أن البيانات التي ينتجها المستخدمون تساعد في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وكان الموقع الرسمي للخدمة يحمل في إحدى نسخه السابقة شعارا لافتا: "أوقف روبوتا، وابن روبوتا"، مع الإشارة إلى أن الصور المصنفة من قبل البشر يمكن استخدامها في تدريب أنظمة التعلم الآلي.
لكن غوغل تقول إن هذا النهج تغير لاحقا. ونقلت إل باييس عن الشركة في إسبانيا قولها إن إطلاق نسخة "ري كابتشا v3" عام 2018 شكل نقطة تحول، إذ توقفت الشركة عن استخدام إجابات الاختبارات البصرية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وأصبح الهدف الأساسي هو تحسين أمن الخدمة ومكافحة الهجمات الآلية.
لماذا تعد بيانات كابتشا مهمة للذكاء الاصطناعي؟
تكمن قيمة بيانات كابتشا في أنها لا تعتمد فقط على الصور، بل على الصور التي قام البشر بتصنيفها. وهذا النوع من البيانات يعد من أهم الموارد في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وقالت كارينا غيبرت، الأستاذة في جامعة البوليتكنيك في كتالونيا، إن معظم صور كابتشا ترتبط بمجالات مثل حركة المرور والتعرف على المركبات وإشارات الطرق، وهي عناصر أساسية في تطوير تقنيات السيارات ذاتية القيادة.
وأضافت أن تدريب أنظمة الرؤية الحاسوبية يحتاج إلى قواعد بيانات ضخمة تحتوي على أمثلة متنوعة، بما في ذلك الصور غير الواضحة أو الملتقطة في ظروف صعبة مثل المطر أو ضعف الإضاءة. فقيام الإنسان بتحديد وجود شاحنة أو إشارة مرور في صورة معقدة يساعد الخوارزمية على التعامل مع الحالات الاستثنائية.
من جهته، أوضح الباحث في معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي الإسباني خوردي نين أن قيمة البيانات المصنفة بشريا أصبحت مرتفعة جدا، لأن امتلاك هذه البيانات يمثل عاملا حاسما في تطوير نماذج أكثر دقة.
وقال نين إن الشركات قد توفر أدوات وبرمجيات لتدريب النماذج، لكن "الأصل الأساسي لإنشاء نموذج بالمستوى الذي تحتاجه غوغل هو البيانات"، مضيفا أن السيطرة على البيانات تمنح الشركات الكبرى ميزة تنافسية يصعب تجاوزها.
تغيير دور غوغل لا ينهي الجدل حول الخصوصية
رغم تأكيد غوغل أنها لم تعد تستخدم اختبارات كابتشا البصرية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن الشكوك لم تختف تماما.
وأشار تقرير إل باييس إلى أن العديد من المواقع ما زالت تستخدم نسخا قديمة من الخدمة، كانت تعتمد بالفعل على جمع بيانات ساهمت في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما أن هناك اختلافا بين النسخة الموجهة للشركات والنسخة المجانية من الخدمة، حيث تبدو شروط استخدام النسخة المجانية أقل وضوحا بشأن مستقبل البيانات التي يتم جمعها.
وفي عام 2023، خلصت دراسة صادرة عن جامعة كاليفورنيا في إيرفاين إلى أن غوغل ربما استخدمت بيانات كابتشا القديمة للحصول على صور مصنفة بشريا لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
كما أثارت هيئات حماية البيانات الأوروبية مخاوف بشأن شفافية استخدام هذه المعلومات. فقد رأت هيئة حماية البيانات الفرنسية أن هدف كابتشا لا يقتصر دائما على الأمن، بينما شككت الهيئة البافارية لحماية البيانات في ألمانيا في وضوح طريقة معالجة المعلومات.
وفي 2 أبريل، غيرت غوغل وضعها القانوني في خدمة "ري كابتشا"، حيث انتقلت من كونها الجهة المسؤولة عن معالجة البيانات إلى مجرد معالج للبيانات. وهذا يعني أن المواقع التي تستخدم الخدمة أصبحت تتحمل مسؤولية أكبر في تحديد كيفية استخدام المعلومات، بينما تخضع الخدمة لشروط أكثر صرامة ضمن منصة غوغل السحابية.





