في خريف عام 2022، اكتشفت الكاتبة الأميركية، جيا تولينتينو، أنها حامل بطفلها الثاني. لكن بدلا من البحث عن عربات الأطفال أو ملابس الرضع أو تنزيل تطبيقات متابعة الحمل كما يفعل ملايين الآباء والأمهات، قررت خوض تجربة مختلفة: هل يمكن إخفاء الحمل عن الهاتف الذكي؟

لم يكن الهدف إخفاء الخبر عن العائلة أو الأصدقاء، بل عن الشركات التي تجمع البيانات وتبيعها وتستخدمها لاستهداف المستخدمين بالإعلانات.

وبعد أشهر من الامتناع عن البحث والشراء والتفاعل مع أي محتوى متعلق بالحمل، وجدت نفسها أمام سؤال أكبر من مجرد إعلانات حفاضات أو ملابس أطفال: من يراقبنا فعلا على الإنترنت؟ وكيف تحولت تفاصيل حياتنا اليومية إلى مادة خام لصناعة تقدر بمليارات الدولارات؟

وتقدم تجربة تولينتينو، التي روت تفاصيلها في مجلة نيويوركر وتحدثت عنها لاحقا مع هيئة الإذاعة الكندية، سي بي سي، نافذة على عالم ما يعرف بـ"رأسمالية المراقبة"، حيث لا تباع المنتجات للمستخدمين بقدر ما تباع بيانات المستخدمين إلى الشركات.

تجربة إخفاء الحمل.. هل يمكن خداع الخوارزميات؟

بحسب ما روته تولينتينو في نيويوركر، وضعت لنفسها مجموعة من القواعد الصارمة: عدم البحث في غوغل عن أي معلومة تتعلق بالحمل، وعدم شراء مستلزمات الأطفال عبر الإنترنت أو باستخدام البطاقات المصرفية، وعدم متابعة حسابات الحمل على إنستغرام أو المنتديات المتخصصة، وعدم استخدام تطبيقات تتبع الدورة الشهرية أو الحمل. كما التزم زوجها بالقواعد نفسها لأن عناوين الإنترنت والمعرفات الرقمية الخاصة بهما كانت مرتبطة ببعضها.

وقالت تولينتينو في مقابلة مع سي بي سي إنها أرادت اختبار ما إذا كان بإمكانها حجب معلومة مهمة عن شبكة واسعة من الوسطاء الإعلانيين وشركات البيانات التي تراقب سلوك المستخدمين باستمرار. وأضافت أن الناس يلاحظون فورا عندما تعرف شركات الإعلان شيئا عنهم، لأن الإعلانات تبدأ بملاحقتهم عبر الإنترنت أينما ذهبوا.

وبعد 5 أو 6 أشهر من الحمل، استعانت بخبيرة خصوصية للتأكد من نجاح التجربة. وبعد مراجعة تفاصيل ما فعلته، قالت الخبيرة إنها تعتقد أن تولينتينو ربما نجحت بالفعل في إخفاء حملها عن وسطاء البيانات. لكن التجربة انتهت بمجرد شرائها ملابس حمل عبر الإنترنت، إذ بدأت إعلانات مستلزمات الأطفال بالظهور في حساباتها خلال دقائق.

رأسمالية المراقبة.. حين تصبح حياتنا مادة خام

تصف الباحثة شوشانا زوبوف هذا النموذج الاقتصادي بمصطلح "رأسمالية المراقبة". ووفقا لتعريفها، تقوم هذه المنظومة على تحويل التجارب البشرية إلى مادة خام مجانية لاستخراج البيانات وتحليلها وبيعها والتنبؤ بالسلوك البشري.

ويشرح رون ديبرت، مدير Citizen Lab بجامعة تورنتو، أن المستخدم ليس الزبون الحقيقي لمنصات مثل غوغل وفيسبوك وإنستغرام، بل إن الزبائن الحقيقيين هم الشركات الراغبة في شراء توقعات حول السلوك البشري. ويقول إن البيانات والتحليلات المحيطة بمنصات التواصل تستخدم لتوقع ما قد يشتريه الأفراد أو ما قد يؤمنون به أو كيف يمكن التأثير على قراراتهم.

وتشير تولينتينو إلى حجم هذه الصناعة عبر مثال لافت: فقد استشهدت بدراسة نقلتها صحيفة فايننشال تايمز تفيد بأنّ التعرف إلى امرأة حامل واحدة قد يكون أكثر قيمة لوسطاء البيانات من معرفة العمر والجنس والموقع الجغرافي لأكثر من 200 شخص غير حامل، بسبب حجم الإنفاق المتوقع المرتبط بالحمل والولادة وتربية الأطفال.

كما أشار خبير الخصوصية فولفي كريستل إلى أن لكل فرد عشرات أو حتى مئات المعرفات الرقمية المرتبطة به، في حين تقدر قيمة سوق بيانات المواقع الجغرافية وحدها بنحو 18 مليار دولار.

من الإعلانات إلى تشكيل السلوك

لا يرى منتقدو رأسمالية المراقبة أنّ المشكلة تكمن في ظهور إعلان مناسب للمستخدم فحسب، بل في القدرة على التأثير في اختياراته قبل أن يتخذها بنفسه. فبحسب ديبرت، تعتمد الشركات على ما يسميه "الإشارات التنبؤية"، حيث تستخدم البيانات المتراكمة للتنبؤ بما قد يفعله الشخص أو يشتريه أو حتى يقتنع به مستقبلا.

وتحذّر أستاذة الفلسفة والنظرية السياسية في جامعة نيويورك تامسين شو من أنّ الهدف لا يقتصر على معرفة الأفراد، بل يتجاوز ذلك إلى تغييرهم. وتقول إنّ كلّ الإعلانات تغيّر السلوك بطريقة أو بأخرى، أحيانا من دون أن يلاحظ الشخص نفسه ذلك.

وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في سوق المنتجات الذكية المخصصة للآباء والأمهات. فبحسب تحقيق نيويوركر، انتشرت أجهزة مراقبة الأطفال والجوارب الذكية والكاميرات المنزلية وأجهزة تتبع النوم والصحة، وغالبا ما تسوق على أنها أدوات تمنح الطمأنينة وتحسن السلامة. لكن عددا من الباحثين الذين استشهد بهم التحقيق يشككون في وجود أدلة قوية على أنها تحسن فعلا النتائج الصحية للأطفال، محذرين من أنها قد تخلق شعورا دائما بالقلق والمراقبة بدلا من تخفيفه.

وفي نهاية تجربتها، لم تخرج تولينتينو بقناعة أنها هزمت منظومة المراقبة الرقمية. بل على العكس، تقول إن التجربة جعلتها أكثر إدراكا لحجم المراقبة التي تخضع لها يوميا، سواء بصفتها مراقبة أو مراقبة من الآخرين. أما الدرس الأهم، بحسب روايتها، فهو أن إخفاء معلومة واحدة عن الاقتصاد الرقمي قد يكون ممكنا أحيانا، لكن الإفلات الكامل من شبكة جمع البيانات أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.