عندما انضم البرتغالي كريستيانو رونالدو إلى النصر السعودي في نهاية يناير الماضي بعقد لمدة عامين ونصف العام، انحسر التركيز العالمي على ما يتقاضاه 224 مليون دولار في السنة، وطوال أشهره الثلاثة الأولى مع النصر، لم يغير الإعلام الدولي من زاوية رؤيته للموضوع.. نجم كبير خارج لتوه من أزمة مع ناديه (مانشستر يونايتد)، يحصل على أموال طائلة في دوري خارج الأضواء، يكمل هناك موسما ويغادر بنهايته ميمما وجهه شطر القارة العجوز، مركز اللعبة، ومهدها الأول، حيث اخترعها الإنكليز منذ زمن سحيق.
في منتصف مايو خرج الدون كريستيانو بتصريحات صحافية مثيرة، نفى فيها، أولا، رحيله عن النصر، ثم أعلن عن تصوره الشخصي لمستقبل الدوري السعودي، قائلا: "في رأيي، إذا واصلوا في العمل على خططهم في السنوات الخمس المقبلة، أعتقد بأن الدوري السعودي سيصبح ضمن أقوى خمس منافسات للدوري في العالم"، قبل أن يقدم دعوة خاصة لنجوم العالم للالتحاق به.
في الداخل السعودي، شكلت هذه التصريحات لحظة فارقة، فاقت أهميتها، تقريبا، موعد إعلان انضمام النجم البرتغالي، كما رفعت تلقائيا من الثقة في خطط استراتيجية موضوعة منذ مدة للنهوض بكرة القدم في بلاد الحرمين.

وبعد أقل من شهر على هذه التصريحات، صدر قرار تاريخي بخصخصة أندية كرة القدم، آلت بموجبه ملكية 4 أندية إلى صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهي (الهلال، والاتحاد والنصر والأهلي)، إلى جانب نقل ملكية 4 أندية أخرى إلى شركات وطنية مهمة.
وإلى جانب تطوير لعبة كرة القدم في المملكة، ونقل الأندية السعودية إلى مصاف الاحتراف والعالمية مع حلول عام ختام رؤية 2030، فإن من أبرز أهداف مشروع الخصخصة تمثلت في الارتقاء بتصنيف الدوري ووضعه ضمن أفضل 10 دوريات كرة قدم بالعالم، إضافة إلى زيادة إيرادات رابطة الدوري السعودي للمحترفين من 450 مليون ريال (120 مليون دولار)، إلى أكثر من 1.8 مليار ريال (480 مليون دولار) سنويا، إلى جانب رفع القيمة السوقية للدوري السعودي للمحترفين من 3 مليارات إلى أكثر من 8 مليارات ريال (2.1 مليار دولار).

هجرة السوبرستارز
وفي تسارع للأحداث، بدأت الأندية الأربعة الكبرى في السعودية في جذب الأسماء الكبيرة، لتعلن السعودية عن نفسها طرفا أصيلا في ميركاتو الصيف، الذي كانت تهمين عليه أندية القارة العجوز.
وكانت البداية مع انضمام الفرنسي المتوج بالكرة الذهبية كريم بنزيمة إلى الاتحاد، ثم لحق به مواطنه نغولو كانتي في نفس الفريق، وآخرون.
هنالك أيضا صفقة تعتبر مهمة، لكنها على صعيد التدريب، بعد تعاقد نادي الاتفاق للمدرب الإنكليزي ستيفن جيرارد، إلى جانب صفقات عدة مرتقبة في الأيام المقبلة على سبيل اللاعبين والمدربين.

عالم كروي متعدد الأقطاب
في عالم السياسة ودهاليزها، سرت منذ مدة، وتحديدا بعد اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، مصطلحات من قبيل تعددية الأقطاب، وترمز إلى ضرورة نهاية الهيمنة والمركزية الأمريكية على العالم، عبر توفر أكثر من محور وقطب عالمي، ينوع من خيارات الدول في بناء علاقاتها الاستراتيجية.
وبدخول الدوري السعودي بقوة على خط الميركاتو هذا الصيف، بدا بمنزلة قطب جديد، يتيح فرصا للكثير من اللاعبين من أجل الحصول على التقدير الكافي، وهو أمر تسبب في ربكة لأوروبا المهيمنة على الميركاتو منذ مدة طويلة، ومن خلفها (يويفا) بقوانينه المكبلة اقتصاديا أحيانا.

ويمكنك تصور الوضع حاليا، مع نجوم تخطوا سن الثلاثين وانتهت عقودهم، إذ كان سيجد كل من بنزيمة (35 عاما)، نفسه مع تخفيض في أجره السنوي البالغ 11 مليون دولار، وهو أمر ربما لا يتسق مع أدائه وخبراته، كما ينطبق الأمر ذاته على نجوم مثل رونالدو وكانتي بروزفيتش.
زحف في التنصيف
أما أكثر ما يقلق الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى في القارة العجوز (البريمييرليغ، الليغا، البوندسليغا، الكالشيو والليغ1)، فهو الخطط الواضحة من قبل الدوري السعودي، والتي تتسق مع توقعات رونالدو، باقتحام الدوري السعودي لقائمة أكبر 5 دوريات في العالم.

وفي يناير الماضي، صنفت وكالة سبورت إنتليجنس الدوري السعودي في المركز الـ58 عالميا، وفقا لمعايرها، وعادت بعد 4 أشهر لتقدمه 4 مراكز بعد وصول الهلال إلى نهائي آسيا، والآن بعد وصول أسماء مثل بنزيمة وكانتي ونيفيز وغيرهم، يتوقع أن يقتحم الدوري المراكز العشرين الأولى عالميا، قبل أن يستقر ضمن الخمسة الأوائل بعد عامين أو ثلاثة.
وهنالك أمر أخر يزعج كذلك الدوريات الكبيرة، وهو تحول الدوري السعودي من مجرد جاذب للمتقدمين في العمر، إلى الصراع على اللاعبين الشباب، مثل البرتغاليين جوتا (24 عاما) وروبن نيفيز (26 عاما)، وهذا يعني منافسة أكبر على مواهب أساسية في الأندية الكبرى في الميركاتو المقبل، بعد ترسيخ الدوري لنفسه كعلامة جاذبة بنهاية هذا الموسم.
مزاحمة على البث التلفزيوني
ظهر مؤخرا في لندن الرئيس التنفيذي المؤقت للدوري السعودي سعد العزيز، والذي حل مكان الإنكليزي غاري كوك، المنتقل حديثا لتولي منصب رفيع في نادي بريمنغهام سيتي، وذلك بغرض الترويج للدوري السعودي، وأيضا مناقشة الدخول في شراكة مع "أي إم جي" ميديا الامريكية العملاقة، والتي تتخصص في بث البطولات الرياضية الكبيرة.
وسبق أن اشترى مشغل البث الأمريكي جزءا من بث مباريات الدوري السعودي بعد وصول رونالدو إلى النصر، والآن، أعلن عن رغبة كبيرة في الدخول وتوسيع حصته، بعد انضمام عددا من اللاعبين الكبار.
وتبث "أي إم جي" لنحو 45 دولة حول العالم عددا من البطولات المهمة، منها الدوريات الكبيرة والدوري الأمريكي والصيني والتركي لكرة القدم، إلى جانب بطولات الألعاب الكبرى والأولمبياد.
ويمكن أن تقرأ هذه الخطوة في اتجاه، رغبة حقيقة من الدوري السعودي في مزاحمة الدوريات الكبيرة، بل تأكيد على إمكانية تحقق هذا الأمر، إذ تبنى شبكات التلفزة مثل هذه القرارات على الكثير من دراسات الجدوى والتنبؤات بالمستقبل، فهل ينجح الدوري السعودي في مشروعه التاريخي، أم تتنفس أوروبا الصعداء بفشله، وتعود إلى تحكمها التاريخي في (بنزنس) كرة القدم؟
