تجددت الاحتجاجات الطلابية في عدّةٍ مناطقٍ سوريّة ذات غالبيةٍ كردية مثل الحسكة والقامشلي، للمطالبة بمواصلة التعليم باللغة الكردية، وذلك غداة اعتداءٍ استهدف طلاباً أكراداً خلال مظاهرةٍ أمام مبنى محافظة الحسكة، الأربعاء، أسفر عن إصابة عدد منهم، وفق تقاريرٍ إعلامية.

ملثمون يهاجمون الطلاب

فقد تعرّض طلبة أكراد لهجوم من شبان ملثمين استخدموا الحجارة والعصي وأدوات حادة، فيما أصيب مصوّر صحفي كان يغطي الاحتجاجات، واضطر عدد من الطلاب إلى الاحتماء داخل مبنى المحافظة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

جاءت التظاهرات اعتراضاً على الترتيبات التعليمية الجديدة، والمطالبة باستمرار التعليم باللغة الأم وعدم حصر تدريس الكردية في 3 حصص أسبوعياً.

كما أتت في سياق تحركات طلابية أوسع متواصلة منذ بداية العام الدراسي، إذ يواصل الطلاب رفضهم للقرارات المتعلقة باللغة الكردية خصوصاً بعد صدور قرارٍ هذا الأسبوع من وزارة التعليم العالي نصّ على دمج جامعتي كوباني وروجآفا ضمن جامعتين حكوميتين تحت اسم "تجمّع كليات"، وهو ما يعني فعلياً إلغاء الجامعتين الكرديتين، الأمر الذي رفضتهما إدارتهما مع الطلبة.

وقال طلبة أكراد شاركوا في الاحتجاجات لـ"بلينكس"، إنهم سيواصلون التظاهر حتى تتحقق مطالبهم "البديهية" بالتعلم بلغتهم الأم.

إلا أن هذه الاحتجاجات ليست عادية، بل تعيد ملف التعليم إلى واجهة الخلافات المرتبطة بمسار دمج المؤسسات في شمال شرقي سوريا والذي نصّ عليه اتفاقٍ شهير أبرمه مطلع العام الجاري الرئيس السوري أحمد الشرع مع مظلوم عبدي المستشار الحالي للرئاسة السورية والقائد السابق لقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، مع استمرار اعتراض إدارة الجامعات والطلاب على القرارات المتعلقة بمستقبل المناهج والهيئات التعليمية والجامعات التي تأسست خلال سنوات الإدارة الذاتية الكردية التي أعلن عبدي عن حلها مع "قسد" أواخر اغسطس الماضي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

جامعة روجآفا: نرفض دمجاً يلغي سنوات من العمل

في تصريحات خاصة لـ"بلينكس"، قال آرام حسن، عضو الهيئة الإدارية لجامعة روجآفا التي تتخذ من القامشلي مقرّاً لها، إن قرارات وزارة التعليم العالي السورية جاءت منفصلة عن الواقع الأكاديمي والاجتماعي والتاريخي للمنطقة، ولم تلبِّ تطلعات الأكاديميين والطلاب، كما تجاهلت حق السكان في التعليم والثقافة بلغتهم الأم.

وأوضح حسن أن الجامعة لا ترفض الاندماج بوصفه خياراً استراتيجياً، بل شاركت على مدى أشهر في التحضير لهذه العملية، لكنها ترفض أن يتحول الدمج إلى إجراء يلغي نحو عقد من العمل على بناء المؤسسة التعليمية وتطويرها.

كما أشار إلى أن فرض الانتقال المباشر إلى التعليم باللغة العربية يشكل عائقاً أكاديمياً ونفسياً أمام الطلاب الذين أمضوا 12 عاماً في الدراسة باللغة الكردية، لافتاً إلى أن قرارات الدمج المطروحة تهدد أيضاً بإغلاق أقسام جامعية حيوية.

وأكد حسن أن المنطقة تحتاج إلى جامعة حكومية في محافظة الحسكة، موضحاً أن اضطرار الطلاب إلى السفر والإقامة في محافظات أخرى لاستكمال دراستهم يفرض عليهم أعباء مالية ومعيشية كبيرة، وقد يحرم كثيرين من مواصلة تعليمهم لأسباب مادّية ومعيشية.

أيضا لفت إلى أن مطالب جامعة روجآفا تتمثل، في الاعتراف بالجامعة رسمياً كجامعة حكومية في محافظة الحسكة ومركزها مدينة القامشلي (قامشلو)، وعدم إغلاق أي من أقسامها، واعتماد نظام تعليم ثنائي باللغة الكردية والعربية، على أن تبقى الكردية لغة التدريس الأساسية.

كما تطالب الجامعة بمرحلة انتقالية تتيح للطلاب التأقلم مع أي تغييرات تعليمية، والحفاظ على الكادر التدريسي، وفتح المجال أمام أعضاء الهيئة التعليمية الذين لا يحملون شهادة الدكتوراه لتسوية أوضاعهم الأكاديمية عبر برامج الماجستير والدكتوراه، إلى جانب ضمان الاستقلالية الأكاديمية والإدارية والحفاظ على الهوية الثقافية والأكاديمية الكردية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وشدد حسن على أن رفض القرارات الحالية لا يعني إغلاق باب الحوار، بل يمثل دعوة إلى حوار جدي يأخذ خصوصية المنطقة واحتياجاتها في الاعتبار، محذرا من أن التخلي عن التعليم باللغة الكردية قد يؤدي إلى تفكيك بنية تعليمية تراكمت على مدى سنوات، وينعكس على قدرة الطلاب على الاستيعاب وتكافؤ الفرص والتنوع الثقافي.

وأعلن استمرار استقبال الجامعة للطلاب والمدرسين ومتابعة إجراءات المفاضلة، مؤكداً أنها لن تسمح بحدوث فراغ تعليمي ينعكس على مستقبل الطلاب.

"أكثر قضايا الاندماج تعقيداً"

من جهته، قال بدران جيا كرد، وهو مسؤول تنفيذي سابق في الإدارة الذاتية المنحلّة، في تصريحات خاصة لـ"بلينكس"، إن ملف التعليم باللغة الأم ومنهاج الإدارة الذاتية يعد من أكثر القضايا تعقيداً وتعثراً في عملية الاندماج، معتبراً أن هذه العملية تسير بخطى عرجاء.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وانتقد جيا كرد ما يصفه بممارسات مجموعات ذات "خلفيات بعثية" تجاه مطالب الأكراد بالتعلم بلغتهم الأم، معتبراً أن هذه الممارسات تعكس رفضاً للتنوع الثقافي واللغوي في سوريا، في إشارة إلى الهجمات التي تعرّض لها طلبة أكراد خلال احتجاجاتهم الأخيرة بمحافظة الحسكة.

كما انتقد صمت الحكومة الانتقالية وعدم اتخاذ إجراءات رادعة إزاء هذه الممارسات، مشددا على أن المؤسسات المعنية لا تمتلك خطة شاملة وواضحة للتعامل مع الملف التعليمي، في وقت ترفض فيه اعتماد منهاج تكون اللغة الكردية فيه لغة أساسية للتعليم إلى جانب العربية.

ووصف جيا كرد السياسة التعليمية الحالية بأنها تجمع بين التخبط من جهة والنهج المقصود من جهة أخرى، مشيراً إلى أن بعض المسؤولين الإداريين يستغلون حالة الارتباك لاتخاذ قرارات وصفها بالمزاجية، تقوم على الرفض والتهميش.

أيضا لفت إلى أن اتفاق 29 يناير بين الشرع وعبدي لم يتناول ملف التعليم بصورة واضحة ومفصلة، معتبراً أن ذلك ترك واحدة من أكثر القضايا حساسية من دون معالجة كافية، داعياً إلى تطبيق المنهاج المقترح في جميع المناطق الكردية، والعودة إلى طاولة المفاوضات لوضع خطة تعليمية تستند إلى المتطلبات الدستورية والقانونية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وحذر من غياب خطة واضحة لمستقبل التعليم، قائلاً إن الأطفال الأكراد هم من يدفعون الثمن، بينما يتضرر المجتمع السوري بأكمله من اتباع سياسة تعليمية ذات طابع أيديولوجي.

كذلك طالب بمراجعة عاجلة للمناهج المعتمدة حالياً، معتبراً أنها لا تعبر عن الهوية الوطنية السورية المتنوعة، بل تسهم في زيادة الاحتقان بدلاً من بناء أرضية مشتركة بين المكونات.

14 عاماً من التعليم باللغة الكردية

يذكر أن جانبا من الخلاف الحالي يعود إلى تجربة تعليمية نشأت في مناطق الإدارة الذاتية منذ عام 2012، إذ اعتمدت المؤسسات التعليمية هناك مناهج خاصة، وأصبحت اللغة الكردية لغة تدريسٍ رسمية، واستمر هذا النظام على مدى نحو 14 عاماً، ما جعل الانتقال إلى منظومة مختلفة موضع قلق لدى طلاب وأهالٍ وأكاديميين يخشون ضياع سنوات الدراسة أو مواجهة صعوبات في متابعة التعليم.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ولا يقتصر الاعتراض على جامعة روجآفا، إذ عبّر طلاب وأعضاء هيئة تدريس في جامعة كوباني أيضاً عن رفضهم صيغة الدمج الحالية مع جامعة حلب، مطالبين بالحفاظ على اسم الجامعة وبنيتها الإدارية وكلياتها ومعاهدها وتخصصاتها، وعدم فرض تغييرات من دون التشاور مع الجامعة.

في السياق ذاته، يتمسك المعترضون في كوباني بمطلب استمرار المؤسسة التعليمية داخل المدينة، وبالاعتراف بالسنوات والمواد التي درسها الطلاب، والحفاظ على الكوادر الأكاديمية ولغة التعليم وخصوصية الجامعة.

ليتجاوز بذلك الخلاف مسألة تبعية الجامعات إدارياً، ويشمل شكل المؤسسات التعليمية ومستقبلها ودور اللغة الكردية فيها، في وقت لا تزال فيه ترتيبات توحيد المنظومة التعليمية موضع اعتراض وتفاوض.