من أجواء الحرب في السودان إلى رحلة البحث عن عمل وحياة جديدة في مصر، اختارت مجموعة من الشابات السودانيات خوض تجربة مختلفة، إذ تولت النسوة إدارة كافيه "الراكوبة" في منطقة حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، واستلمن إدارة جميع المهام اليومية، من استقبال الزبائن وإعداد المشروبات إلى تقديم الطلبات ومتابعة تفاصيل العمل.

كما لا تقتصر التجربة على توفير فرص عمل لفتيات اضطر بعضهن إلى مغادرة السودان بسبب الحرب، بل تحولت إلى مساحة لاستعادة جزء من الهوية السودانية، في مكان يستحضر تفاصيل البيوت والعادات الاجتماعية، ويجمع أبناء الجالية السودانية والمصريين.

Image 1

"الراكوبة".. قطعة من السودان في الجيزة

قال محمد محجوب عبدالله، صاحب الكافيه، في تصريح خاص لـ"بلينكس"، إن اختيار اسم "الراكوبة" لم يكن مصادفة، بل جاء ارتباطاً بدلالته في التراث السوداني.

فالراكوبة، بحسب عبدالله، مساحة مظللة تُقام في حوش المنزل، وغالباً ما تضم سريراً مصنوعاً من الحبال، يجلس عليه أفراد الأسرة والجيران للاستمتاع بالهواء والظل، خصوصاً في المناطق الريفية.

وأضاف أن الاسم يستحضر ذكريات يعرفها السودانيون جيداً، لذلك أراد أن يكون الكافيه امتداداً لهذه الأجواء، لا مجرد مكان تقليدي لتقديم المشروبات.

Image 1

كذلك حرص المكان على تقديم القهوة السودانية والبخور، باعتبارهما من أبرز طقوس الحياة الاجتماعية في السودان.

ولفت عبدالله إلى أن القهوة السودانية تختلف عن المصرية في طبيعة البن وطريقة التحضير، إذ يجري تحميص البن وطحنه داخل الكافيه، ثم إضافة مكونات تقليدية، بينها الزنجبيل والهيل والقرفة.

لماذا اختار تشغيل النساء؟

عمل محمد محجوب عبدالله في مجال الكافيهات منذ عام 2012، وسبق له إدارة مشروعات في السودان والسعودية ومصر.

وقال إن خبرته في هذا المجال شجعته على خوض تجربة تشغيل فتيات سودانيات وإتاحة الفرصة لهن لإدارة الكافيه، رغم أن بعضهن لم يسبق لهن العمل في هذه المهنة.

كما أكد أن الهدف كان توفير فرص عمل للنساء وإثبات قدرتهن على إدارة هذا النوع من المشروعات، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها كثير من الأسر السودانية في الغربة.

Image 1

لكن التجربة احتاجت إلى تدريب وتأهيل من البداية، فاستعان عبدالله بخبرات مصرية لتعليم العاملات كيفية إعداد المشروبات والتعامل مع الزبائن وتفاصيل العمل اليومية، مشيراً إلى أن أصدقاءه المصريين قدموا له مساعدة مهمة في تدريب الفتيات.

وأشار إلى أن خبرته تتركز في إدارة المشروعات ومتابعة الإيرادات والمصروفات وحساب الأرباح والخسائر، بينما استعان بآخرين لنقل الخبرات العملية إلى العاملات.

التحدي الأصعب

لم تكن قلة الخبرة العقبة الوحيدة أمام المشروع، إذ واجه صاحب الكافيه تحدياً آخر تمثل في إقناع أسر الفتيات بطبيعة العمل.

وقال عبدالله إن بعض العائلات كانت متخوفة من عمل بناتها في الكافيهات، خصوصاً أنهن يعشن خارج بلادهن، ما دفعه إلى زيارة الأسر والتعرف على الآباء والإخوة وشرح طبيعة المكان وبيئة العمل.

وفي الأشهر الأولى، كانت بعض العائلات تزور الكافيه وتجلس فيه لمتابعة بناتها والاطمئنان عليهن، قبل أن تتبدد المخاوف تدريجياً وتكتسب التجربة ثقتها.

Image 1

كما يعتبر عبدالله أن نجاح الفتيات في أداء مهامهن اليومية ساهم في تغيير نظرة بعض الأسر إلى طبيعة العمل، وأثبت إمكانية دخول النساء مجالات لم تكن مألوفة بالنسبة إليهن.

أمل وغلا.. من الحرب للعصامية

داخل الكافيه، تتنقل غلا أبو بكر بين أكثر من مهمة، من العمل على صندوق المحاسبة إلى إعداد القهوة والمشروبات، بعدما التحقت بالمكان قبل نحو عام.

وتقول لـ"بلينكس"، إنها لم تكن تمتلك خبرة كافية في جميع المهام التي تتولاها اليوم، لكنها تعلمت تدريجياً من خلال التدريب والممارسة اليومية.

ولا ترى غلا أن العمل في مهنة يهيمن عليها الرجال يشكل عائقاً أمام النساء، مؤكدة أنهن قادرات على التعامل مع الزبائن وتحمل المسؤولية وإدارة تفاصيل العمل.

لكن لهذه التجربة معنى شخصياً يتجاوز الوظيفة، إذ جاءت بعد ظروف صعبة عاشتها خلال الحرب في السودان، واضطرتها إلى مغادرة بلدها والانتقال إلى مصر.

Image 1

وروت غلا: "كنت في الحرب وفي ظروف صعبة للغاية، وقدرت أتجاوز المرحلة دي وأجي هنا، وبدأت أشتغل على نفسي شوية بشوية، رغم إني في دولة غريبة، لحد ما لقيت فرصة كويسة واشتغلت فيها".

وتضيف أن أسرتها احتاجت في البداية إلى الاطمئنان على طبيعة عملها، لكن زيارتها للكافيه وتعرفها على زميلاتها ساعدا في تبديد مخاوفها.

وبالنسبة إلى غلا، أصبحت الوظيفة فرصة لإعادة بناء حياتها بعد تجربة الحرب والنزوح، وخطوة نحو تحقيق الاستقلال والاعتماد على الذات.

أما أمل محمد، الشابة العشرينية، فتخوض في "الراكوبة" أول تجربة لها في مجال الكافيهات، حيث تعمل في تقديم الطلبات والتعامل مع الزبائن.

وقالت لـ"بلينكس"، إن التجربة منحتها ثقة أكبر بنفسها، وساعدتها على اكتشاف قدرتها على تحمل المسؤولية والتعلم في مجال لم تكن تملك خبرة سابقة فيه.

Image 1

كما أنها لا تنظر إلى العمل باعتباره مجرد مصدر للدخل، بل تعتبره خطوة نحو الاستقلال المادي والاستعداد لمستقبلها الدراسي.

ولفتت إلى أن العاملات يتعرضن أحياناً لمواقف مزعجة بسبب طبيعة المهنة التي يهيمن عليها الرجال، لكن ذلك لم يدفعهن إلى التراجع، بل زاد من إصرارهن على إثبات قدراتهن.

"أم درمان صغيرة" في القاهرة

بعيداً عن تفاصيل العمل، تجد أمل في الكافيه مساحة اجتماعية قريبة من أجواء السودان.

وتقول إن وجودها مع زميلات يشتركن معها في اللغة والعادات والتقاليد يجعل التواصل بينهن أكثر سهولة، ويمنحها شعوراً بالألفة رغم الابتعاد عن الوطن.

وتوضح أن غالبية مرتادي المكان من السودانيين، إلى جانب زبائن مصريين، ما يجعله مساحة للتواصل بين أبناء المجتمعين.

يذكر أن الكافيه افتُتح عام 2020، واستطاع تدريجياً تكوين قاعدة من الزبائن السودانيين والمصريين.

Image 1

فيما اكتسب طابعه التراثي أهمية إضافية بالنسبة إلى السودانيين الذين غادروا بلادهم بعد اندلاع الحرب.