بعد سنوات من الدمار والتهجير، عاد حي جوبر الدمشقي إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة ليس بسبب الحرب، بل بسبب خلاف على خطة إعادة إعماره، دفع الأهالي إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم وإقالة محافظ دمشق.
فقد خرج سكان الحي في احتجاجات يوم الجمعة، قطعوا خلالها طريق المتحلق الجنوبي، اعتراضاً على العرض الاستثماري الذي قدمته محافظة دمشق لإعادة إعمار جوبر، وسط مخاوف من المساس بحقوق الملكية واستمرار تأخر عودة السكان إلى منازلهم.
فكيف تحوّل مشروع إعادة الإعمار إلى أزمة؟
أعلن مجلس أمناء حي جوبر رفض العرض الاستثماري بصيغته الحالية، معتبراً أنه لا يلبّي الحد الأدنى من تطلعات أصحاب الأراضي، ولا يضمن حقوقهم ومصالحهم.
وطالب المجلس بإتاحة المجال أمام عروض استثمارية بديلة، ونشر الوثائق والبيانات الرسمية المتعلقة بالمشروع، لضمان الشفافية في تحديد مستقبل الحي.

بدوره، أوضح عضو مجلس أمناء جوبر، أنس البكري، في تصريحات خاصة لـ"بلينكس"، أن شركات تقدمت في مارس 2026 بعرض استثماري لإعادة إعمار مناطق في شرقي دمشق، بينها جوبر، تضمّن منح الأهالي 26% من المشروع مقابل 74% للمستثمر.
كما أضاف أن المفاوضات أسفرت عن رفع حصة الأهالي إلى 35% مقابل 65% للمستثمر، إلا أن التعديل لم يكن كافياً للحصول على موافقتهم.
أتى هذا بعدما أصدرت محافظة دمشق قراراً في 8 أكتوبر 2026 بإيقاف العرض وعدم إعلان المخططات المقترحة، وإفساح المجال أمام استقدام عروض أفضل، وفق بيان مجلس الأمناء.
ما البديل المطروح لإعمار جوبر؟
كشف البكري أن الأهالي يتجهون إلى مناقشة حلول بديلة، أبرزها اعتماد المخطط التنظيمي رقم 94 بعد إدخال تعديلات عليه، إلى جانب خيار الاستثمار المجزأ.
ويقوم المقترح الأخير على تقسيم جوبر إلى قطاعات، تصدر المحافظة مخططاتها التنظيمية، ثم تُطرح أمام المستثمرين بصورة منفصلة، بدلاً من إخضاع الحي بأكمله لمشروع استثماري واحد.
كما شدد البكري على ضرورة أن تضمن أي خطة جديدة حقوق الملكية، وتحدد جدولاً زمنياً واضحاً للتنفيذ، وتحافظ على النسيج الاجتماعي للحي وهويته العمرانية وذاكرته المكانية.

عامان من الانتظار.. والأهالي خارج منازلهم
لا تتوقف الأزمة عند نسب الاستثمار، إذ يواجه سكان جوبر أعباء معيشية متزايدة مع استمرار تعذر عودتهم إلى منازلهم.
وقال البكري إن الاحتجاجات تعبّر عن مطالب محقّة، مشيراً إلى أن الأهالي ما زالوا ينتظرون حلولاً عملية رغم مرور نحو عامين على سقوط النظام السابق.
وأضاف أن بعض السكان اضطروا إلى بيع ممتلكاتهم بأسعار زهيدة لتغطية تكاليف السكن، في ظل غياب جدول زمني واضح لإعادة الإعمار.
وفي حديث خاص لـ"بلينكس"، وصف أحد أهالي جوبر حجم الضغوط التي يواجهها السكان، قائلاً:"أنا اليوم أدفع 100 دولار إيجاراً لمنزلي، و200 دولار إيجاراً لمحلي، في ظل مردود عمل محدود. صار لنا عامان ننتظر صدور المخططات التنظيمية، وحتى الآن لا يوجد شيء واضح".
وأكد أن الأهالي لا يطالبون بمشاريع استثنائية، بل بإصدار مخططات تنظيمية واضحة ومنح التراخيص اللازمة، بما يسمح لهم بالمشاركة في إعادة بناء منازلهم ومحالهم.
عتب على المحافظ
يذكر أن اعتراضات الأهالي امتدت من رفض العرض الاستثماري إلى المطالبة بتغيير المسؤول عن إدارة الملف.

واعتبر أحد سكان جوبر، في حديثه لـ"بلينكس"، أن محافظ دمشق لم يتمكن من إيجاد حل للأزمة، مطالباً بتعيين مسؤول قادر على تسريع الإجراءات ووضع حد لحالة الانتظار.
وقال: "نحن ما بدنا شي، بدنا المخططات، وابنولنا المدارس والجوامع، وما بدنا شي تاني".
إلى ذلك، تعكس هذه المطالب اتساع الخلاف من تفاصيل المشروع الاستثماري إلى طريقة إدارة إعادة الإعمار، في ظل غياب رؤية واضحة لموعد عودة السكان.
وبينما يبحث الأهالي عن بدائل تحفظ حقوقهم، يبقى مستقبل جوبر معلقاً على التوصل إلى صيغة تجمع بين جذب الاستثمارات وضمان حقوق أصحاب العقارات.
أما بالنسبة إلى السكان الذين ينتظرون العودة منذ سنوات، فلا يُقاس نجاح إعادة الإعمار بحجم المشاريع المعلنة، بل بقدرتهم على استعادة منازلهم وحياتهم التي أوقفتها الحرب.





