تحولت عروض العمل عن بعد إلى وسيلة جديدة يستغلها مجرمو الإنترنت لاستدراج الضحايا، عبر شبكات منظمة تجمع بين الهندسة الاجتماعية والعملات المشفرة وانتحال هوية شركات حقيقية، قبل دفع الضحايا تدريجيا إلى تحويل الأموال والاستيلاء.
ويكشف تقرير لصحيفة إل باييس كيف يمكن لعرض وظيفي يبدو مهنيا ومغريا أن يتحول إلى عملية احتيال واسعة، تبدأ برسالة على لينكدإن أو واتساب وتنتهي بخسائر مالية كبيرة.
عرض وظيفي مغر ينتهي بخسارة 40 ألف يورو
كانت الإسبانية باولا سانشيز، البالغة 47 عاما، تبحث عن فرصة لزيادة دخلها دون التخلي عن عملها كمديرة إدارية، عندما صادفت في نوفمبر 2025 عرضا للعمل عن بعد عبر لينكدإن.
وبعد ذلك تواصلت معها امرأة عبر واتساب انتحلت صفة مسؤولة توظيف هولندية لدى شركة ReSee، وهي شركة متخصصة في السلع الفاخرة المستعملة في باريس.
وخلال ساعات، وقعت سانشيز عقدا أوليا لوظيفة تتعلق بتحسين ترتيب المنتجات، براتب أساسي قدره 600 يورو.
لكن سرعان ما بدأت عملية الاحتيال الفعلية. طُلب من سانشيز تحويل 100 يورو إلى عملة مشفرة لبدء العمل، ثم جرى بناء علاقة شخصية معها عبر المحادثات، بالتوازي مع وعود بعمولات مقابل تنفيذ مهام بسيطة. لاحقا ظهرت منتجات محدودة الإصدار تعد بعمولات تصل إلى 30%، لكنها تتطلب دفع قيمتها مقدما. وبعد سلسلة من التحويلات، اكتشفت أنها خسرت 40,408 يورو.
وتنتحل هذه الشبكات أسماء شركات حقيقية وتستخدم شعاراتها وبياناتها وأسماء موظفيها لتبدو موثوقة، بينما تعرض عقودا ورواتب قد تصل إلى 3,500 يورو.
لكن وراء هذه الواجهة توجد شبكات منظمة تعمل على استدراج الضحايا وتحويل ما يبدو كوظيفة عادية إلى عملية استنزاف مالي.
كيف تعمل مصيدة "الوظيفة الوهمية"؟
تعتمد هذه العمليات على ما يعرف بالهندسة الاجتماعية، أي بناء الثقة مع الضحية ثم دفعه تدريجيا إلى تحويل الأموال. وغالبا ما تبدأ العملية بمهام بسيطة ومكافآت مالية صغيرة وحقيقية، ما يمنح الضحية انطباعا بأن المنصة شرعية.
بعد ذلك تبدأ الطلبات المالية بالارتفاع، تحت ذرائع مختلفة، مثل شراء منتجات أو دفع مبالغ للحصول على عمولات أكبر.
ويؤكد المعهد الوطني للأمن السيبراني في إسبانيا أن من العلامات الأساسية التي تكشف الاحتيال أن المال يتحرك في الاتجاه الخطأ: ففي الوظيفة الحقيقية تدفع الشركة للعامل، بينما تطلب المنصات الاحتيالية من العامل إرسال الأموال إليها.
وتشير البيانات التي نقلتها الصحيفة إلى تسجيل 468,801 جريمة إلكترونية في إسبانيا، فيما لا تتجاوز نسبة الجرائم التي يتم الإبلاغ عنها 20%، ما يجعل الحجم الحقيقي للظاهرة أكبر بكثير من الأرقام الرسمية.
وتستخدم الشبكات المحتالة واتساب وتلغرام لإنشاء مجموعات تضم حسابات تنتحل صفة موظفين ناجحين، وتنشر صورا لأرباح مزعومة ورسائل تهنئة لإقناع الضحية بأن الآخرين يحققون المال بسهولة. وفي بعض الحالات، قد تكون هذه الشخصيات وهمية بالكامل، لكن وجودها داخل المجموعة يمنح الضحية شعورا زائفا بالأمان والثقة.
وتعرض الإسباني رافائيل لانغاريتا، وهو مهندس يبلغ 46 عاما، لعمليتي احتيال. في الأولى، تواصلت معه شركة عبر واتساب مستخدمة اسما يحاكي شركة الاستثمار الأمريكية Interactive Brokers، وطلبت منه إيداع 1,000 يورو، قبل أن يتجاوز المبلغ 9,000 يورو دون أن يتمكن من استرداده. وفي عملية ثانية عبر تلغرام، تلقى اتصالا صوتيا مولدا بالذكاء الاصطناعي وعرضا للعمل مقابل الإعجاب بمنشورات على مواقع التواصل، فبدأ بمبلغ 10 يورو وانتهى بخسارة 400 يورو.
احتيال أكثر تطورا ومسؤولية متزايدة على منصات التواصل
لا تقتصر هذه العمليات على المحتالين والضحايا، إذ تلعب منصات التواصل وتطبيقات المراسلة دورا أساسيا في انتشارها.
ويشير التقرير إلى أن الشبكات الإجرامية تستفيد من مجموعات المراسلة المشفرة لنشر العروض الوهمية والتقييمات المزيفة وشهادات الأرباح، بينما يصعب على السلطات الوصول إلى كثير من هذه الشبكات، خصوصا عندما تعمل من خارج البلاد.
كما أصبحت أساليب الاحتيال أكثر تطورا، إذ بدأت بعض الشبكات باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المكالمات الصوتية المصطنعة، إلى جانب العملات المشفرة وانتحال هوية شركات معروفة.
ويرى الخبير القانوني بورخا أدسوارا أن بعض هذه العمليات أصبحت خدمات احتيالية احترافية تديرها شبكات تعمل خارج إسبانيا، الأمر الذي يجعل ملاحقتها أكثر صعوبة.
وتنتهي القصة في كثير من الحالات عندما يدرك الضحية أن الأموال اختفت وأن الوظيفة لم تكن موجودة أصلا. وفي حالة سانشيز، توجهت إلى الشرطة وهي تحمل صور المحادثات والعقود المزيفة وأرقام الحسابات التي حولت إليها الأموال، قبل أن تطلب من البنك محاولة عكس التحويلات، مع اعترافها بأن فرص استرداد أموالها تبدو ضئيلة.
وتبرز هذه الحالات قاعدة أساسية لتجنب الوقوع في الفخ: أي وظيفة تطلب من الباحث عن العمل أن يدفع أموالا مقدما يجب أن تثير الشك فورا. ومن الضروري التحقق من موقع الشركة الرسمي، ومقارنة بيانات العرض بالمعلومات المنشورة على الموقع، والتواصل مباشرة مع الشركة عبر قنواتها الرسمية قبل إرسال أي أموال أو بيانات مصرفية.





