في وقت تتصدر فيه الهجرة عناوين الحملات الانتخابية في أوروبا باعتبارها قضية أمنية وسياسية، تشير المؤشرات الديموغرافية إلى واقع مختلف تماما.

لا تواجه القارة العجوز فقط تراجعا في أعداد المواليد، بل تتجه أيضا إلى خسارة ملايين من سكانها في سن العمل خلال العقود المقبلة، ما يهدد النمو الاقتصادي وأنظمة التقاعد وسوق العمل.

وفي المقابل، تمتلك الضفة الجنوبية للمتوسط فائضا من الشباب والكفاءات التي تعاني صعوبة في إيجاد فرص عمل داخل بلدانها.

ووفق تقرير نشرته صحيفة ليزيكو ودراسة صادرة عن لجنة العمل من أجل المتوسط، فإن الهجرة لم تعد مجرد خيار سياسي مثير للجدل، بل تتحول تدريجيا إلى ضرورة اقتصادية قد تفرضها الوقائع الديموغرافية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أوروبا تفقد شبابها وسوق العمل يدفع الثمن

تشير الدراسة إلى أن معدل الخصوبة في الاتحاد الأوروبي انخفض إلى 1.34 طفل لكل امرأة في 2024، وهو أدنى مستوى تاريخي، مقارنة بنحو 2.05 المطلوب لضمان تعويض الأجيال.

وتحذر من أن أوروبا قد تخسر 20 في المئة من سكانها في سن العمل بحلول 2050 إذا توقفت الهجرة، فيما تتوقع المفوضية الأوروبية فقدان 15.6 مليون عامل بحلول 2050، وقرابة 25 مليون عامل بحلول 2070.

ويظهر النقص بالفعل في قطاعات حيوية مثل الصحة والبناء وتقنية المعلومات، إذ سجلت ألمانيا نحو 500 ألف وظيفة شاغرة عام 2024، بينما بلغ عدد الوظائف غير المشغولة في قطاعات التجارة والمطاعم والفنادق في إيطاليا نحو 260 ألف وظيفة خلال 2025.

جنوب المتوسط يملك الشباب.. لكنه يخسر الكفاءات

في المقابل، تواصل دول جنوب المتوسط تسجيل نمو سكاني أعلى، رغم تراجع معدلات الإنجاب فيها أيضا.

تشير التوقعات إلى ارتفاع عدد سكان الجزائر بنحو 31 في المئة ومصر بنحو 36 في المئة بين 2025 و2050، مع وجود قاعدة شبابية واسعة وخريجين في تخصصات تحتاجها أوروبا، مثل الطب والهندسة.

لكن هذه الدول تواجه في الوقت نفسه معدلات بطالة مرتفعة بين الجامعيين، ما يدفع كثيرا منهم إلى الهجرة.

وتشير الدراسة إلى أن نحو 80 في المئة من الأطباء التونسيين، و80 في المئة من مهندسي المعلوماتية الجزائريين، وقرابة ربع المهندسين المغاربة يغادرون للعمل في الخارج، وهو ما يثير مخاوف من استنزاف الكفاءات في دول المنشأ.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الاقتصاد يفرض واقعا جديدا رغم السياسة

ويرى حكيم القروي، رئيس ومؤسس لجنة العمل من أجل المتوسط، أن "الديموغرافيا لا تكذب"، مؤكدا أن أوروبا ستدخل منافسة متزايدة لاستقطاب المهاجرين المهرة بسبب شيخوخة سكانها.

وتوضح الدراسة أن عددا من الحكومات بدأ بالفعل تغيير سياساته بصمت، عبر توسيع برامج الهجرة الاقتصادية، كما فعلت ألمانيا باتفاقيات استقدام العمالة الماهرة، وإيطاليا التي سمحت بدخول مئات الآلاف من العمال رغم الخطاب السياسي المتشدد تجاه الهجرة.

وفي المقابل، تدعو الدراسة إلى بناء شراكات متوسطية تقوم على التدريب المشترك، والدرجات الجامعية المزدوجة، والاستثمار في سلاسل الإنتاج، بحيث تتحول الهجرة من مصدر توتر سياسي إلى أداة للتنمية المشتركة بين ضفتي المتوسط، بدلا من أن تبقى مجرد ملف أمني أو انتخابي.