لم يعد التحول الديموغرافي في المغرب مجرد أرقام في تقارير الإحصاء، بل أصبح واقعا يعيد تشكيل الأسرة وسوق العمل والاقتصاد ومستقبل المجتمع.
بعدما كانت الأسرة المغربية تنجب في المتوسط أكثر من سبعة أطفال في ستينيات القرن الماضي، انخفض معدل الإنجاب إلى أقل من طفلين لكل امرأة في عام 2024، وهو مستوى يقل عن الحد اللازم لتجديد الأجيال.
ويأتي هذا التحول بالتزامن مع تراجع حجم الأسرة، وارتفاع سن الزواج، واتساع المدن، وتغير أولويات الشباب، في وقت يحذر فيه خبراء من أن السنوات المقبلة ستشهد مجتمعا أكثر شيخوخة وأقل عددا من الأطفال.
من الأسرة الكبيرة إلى الأسرة الصغيرة
بحسب صحيفة إل باييس، انخفض معدل الخصوبة في المغرب من نحو 7 أطفال لكل امرأة عند الاستقلال عام 1956 إلى 1.97 طفل فقط في عام 2024، وهو أول مستوى يقل عن عتبة تجديد الأجيال البالغة 2.1 طفل لكل امرأة. كما ارتفع متوسط العمر المتوقع من 47 عاما عام 1960 إلى نحو 77 عاما حاليا.
وتؤكد نتائج المندوبية السامية للتخطيط هذا التحول، إذ تراجع متوسط حجم الأسرة من 4.6 أفراد عام 2014 إلى 3.9 أفراد عام 2024، بينما أصبحت 73 في المئة من الأسر المغربية تقتصر على الوالدين والأبناء، بعد أن كانت الأسرة الممتدة تضم عدة أجيال تحت سقف واحد.
كما تشير المندوبية إلى أن التحضر، والتعليم، والتنقل، وتغير أنماط الحياة ساهمت جميعها في إعادة تشكيل الأسرة المغربية.
لماذا ينجب المغاربة عددا أقل من الأطفال؟
يرى أستاذ الإحصاء بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية عزيز أجبيلو، في مقال نشره موقع تيل كيل، أن انخفاض الخصوبة يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها ارتفاع سن الزواج، وانتشار وسائل تنظيم الأسرة، والتحول نحو الحياة الحضرية، وارتفاع تكاليف السكن والتعليم، إضافة إلى تغير مكانة المرأة وزيادة مشاركتها في التعليم والعمل.
ويشير إلى أن أكثر من 80 في المئة من النساء يستخدمن وسائل منع الحمل، بعدما كانت النسبة تقارب 40 في المئة قبل ثلاثة عقود. كما أصبح الرجال يتزوجون في متوسط عمر يبلغ 33 عاما مقابل 26 عاما للنساء، وهو ما يقلص فترة الإنجاب.
ويضيف أجبيلو أن تراجع عدد الأطفال لم يعد يعكس فقط تغيرا اقتصاديا، بل يعبر أيضا عن تحول في أولويات الأسر، إذ بات كثير من الآباء يفضلون إنجاب عدد أقل من الأطفال مقابل الاستثمار أكثر في تعليمهم وجودة حياتهم.
فرصة اقتصادية اليوم.. وتحديات غدا
ورغم انخفاض عدد المواليد، يرى الخبراء أن المغرب يعيش حاليا ما يعرف بـ"العائد الديموغرافي"، حيث ترتفع نسبة السكان في سن العمل مقارنة بالأطفال وكبار السن، وهو ما قد يشكل فرصة للنمو الاقتصادي إذا تمكن الاقتصاد من توفير الوظائف الكافية.
إلا أن عزيز أجبيلو يشير إلى أن هذه الفرصة مهددة بسبب استمرار ارتفاع بطالة الشباب، التي بلغت 38.4 في المئة مطلع عام 2026، إضافة إلى انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل، إذ لا تعمل سوى امرأة واحدة من كل خمس نساء.
وفي المقابل، يحذر خبراء نقلت عنهم إل باييس، بينهم الباحثة الديموغرافية زهية وضاح بديدي، من أن المنطقة المغاربية تتجه نحو شيخوخة سكانية متسارعة، مع غياب مؤشرات على عودة معدلات الإنجاب إلى الارتفاع.
وتشير التقديرات إلى أن من هم فوق 65 عاما قد يمثلون نحو ربع سكان المغرب بحلول عام 2050، ما يعني أن تحديات المستقبل لن تقتصر على زيادة عدد كبار السن، بل ستشمل أيضا تمويل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي في ظل تقلص أعداد المواليد.





