في سرقة منزل الفنانة السورية منى واصف، لم يكن الباب المكسور هو بداية الحكاية. فبحسب الرواية التي نقلتها تقارير محلية عن وزارة الداخلية السورية، دخل المتهمان، وهما رجل وزوجته، إلى المنزل في دمشق باستخدام نسخة من المفاتيح، من دون آثار كسر أو اقتحام. لكن محاولة تنفيذ سرقة "نظيفة" لم تصمد أمام تفصيل صغير بقي في مسرح الجريمة: أعقاب سجائر.
واصف قالت، في تسجيل نشرته منصات وزارة الداخلية، إنها اكتشفت الحادثة فور عودتها من لبنان قبل أيام من عيد الأضحى، بعدما وجدت محتويات المنزل مبعثرة. وبعد تفقد مقتنياتها، تبيّن اختفاء 185 ألف دولار أميركي و100 ألف درهم إماراتي، إضافة إلى كمية من المصاغ والمشغولات الذهبية.
ماذا حصل؟ وأين ذهبت الأموال؟
التحقيقات الرسمية أظهرت أن الجانيين حاولا طمس الأدلة باستخدام الزيوت ومواد التنظيف. لكن فرق الأدلة الجنائية تمكنت، وفق ما نقلته التقارير، من رفع قرائن مادية من المكان، كان أبرزها أعقاب سجائر ساعدت في تحديد هوية المتورطين وإلقاء القبض عليهما.
وخلال التحقيق، أقرّ المتهم الرئيسي بسرقة محتويات الخزنة، وقال إنه استخدم جزءاً من الأموال في شراء عقارات في مناطق عين ترما وزبدين وكراج الست بريف دمشق، إضافة إلى سيارة من طراز "لاند روفر". كما تحدثت التقارير عن استعادة جزء من الأموال والأصول المسروقة، مع استمرار الإجراءات القانونية تمهيداً لإحالة القضية إلى القضاء المختص.
من دمشق إلى كاليفورنيا.. حين يتكلم العقب بعد 44 عاما
حادثة منى واصف ليست المثال الوحيد على قوة الأثر الصغير في مسرح الجريمة. ففي قضية أوردتها CNN، ساعد حمض نووي من عقب سيجارة في إدانة جيمس يونيك بعد نحو 44 عاما على مقتل المراهقة سارة غير في كاليفورنيا.
سارة، البالغة 13 عاما، شوهدت آخر مرة في مايو 1982، قبل العثور على جثتها في اليوم التالي. وبسبب محدودية علم الأدلة الجنائية حينها، بقيت القضية معلقة لعقود. لاحقاً، أُنشئ ملف حمض نووي عام 2003 من عينة جُمعت من ملابس الضحية، لكن التحقيق لم يصل إلى مشتبه به.
الاختراق جاء لاحقا عبر علم الأنساب الجيني. وبعد تضييق دائرة الاشتباه، راقب مكتب التحقيقات الفيدرالي يونيك وجمع عقب سيجارة كان قد دخنه ورماه. تحليل الحمض النووي من السيجارة طابق الملف القديم، إضافة إلى عينات أخرى من ملابس سارة. وفي 13 فبراير 2026، أدانته هيئة محلفين بالقتل.
غلاسكو.. سيجارة كسرت عذر السجن
في بريطانيا، عرضت BBC قضية ماري ماكلوكلين، وهي أم لـ11 ولدا عُثر عليها مخنوقة داخل شقتها في غلاسكو عام 1984. بقيت الجريمة باردة لأكثر من 30 عاما، قبل أن يُستخرج ملف حمض نووي ذكوري كامل من عقب سيجارة وُجد في منفضة داخل الشقة.
ذلك الملف قاد إلى غراهام ماكغيل، وهو مرتكب جرائم جنسية متسلسل.
لكن التحقيق واجه معضلة، السجلات كانت تشير إلى أنه كان سجينا وقت الجريمة. لاحقاً، كشف سجل حاكم السجن أنه كان في إجازة منزلية وتمهيدية للإفراج، وعاد إلى السجن بعد ساعات من مغادرته منزل ماري.
ولم يكن عقب السيجارة وحده نهاية القصة. فقد عُثر أيضاً على حمض نووي يطابق ماكغيل داخل عقدة حبل روب الاستحمام الذي استُخدم في خنق الضحية، ما دعم القضية التي انتهت بإدانته عام 2021.
واشنطن.. دليل حاسم بعد وفاة المشتبه به
وفي قضية نقلتها NBC، حُل لغز مقتل باتريشيا لورين بارنز في ولاية واشنطن بعد أكثر من عقدين. بارنز عُثر عليها عام 1995 مقتولة بطلقين في الرأس، وبقيت القضية معلقة حتى أعيد فتحها عام 2018.
الدليل المحوري، وفق مكتب شرطة مقاطعة كيتساب، كان عقب سيجارة عُثر عليه في موقع التخلص من الجثة. وبعد استخدام قواعد بيانات الأنساب وفحوص الحمض النووي، حُدد دوغلاس كيث كرون بوصفه المشتبه به. المفارقة أن كرون كان قد توفي عام 2016، قبل سنوات من حل القضية.
العلم وراء السيجارة.. وليس كل عقب دليلا
لكن القيمة الجنائية لأعقاب السجائر ليست مطلقة. فالدراسات تضع حدوداً واضحة، لا يمكن لعقب السيجارة أن يحدد هوية شخص عبر الحمض النووي إلا إذا احتوى على لعاب أو خلايا ظهارية من الشفاه.
دراسة منشورة في International Journal of Scientific Research عام 2024 فحصت 100 عينة من أعقاب السجائر. أظهرت 39% منها نتائج إيجابية عند فحص الأشعة فوق البنفسجية، و46% في اختبار النشاء واليود، بينما فشلت كل العينات في اختبار الانتشار الهلامي الشعاعي. وخلصت الدراسة إلى ضرورة إرسال عينات اللعاب فور العثور عليها لتحليل الحمض النووي، تفادياً للتلوث أو فقدان الدليل.
أما دراسة منشورة في Forensic Chemistry عام 2023، فطرحت مساراً آخر، تحليل فلتر السيجارة نفسه بطريقة غير إتلافية باستخدام مطيافية ATR-FTIR والنماذج الكيميومترية، بهدف تضييق دائرة الاشتباه، خصوصا عندما يتدهور الحمض النووي أو تتلوث العينة.
من منزل منى واصف في دمشق إلى جرائم باردة في كاليفورنيا وغلاسكو وواشنطن، يظهر عقب السيجارة كأثر صغير قد لا يكشف الحقيقة وحده دائما لكنه قد يمنح التحقيق الخيط الذي يحتاجه لكسر الصمت.





