أعادت موجة الحر التي تضرب فرنسا بقوة هذا الصيف فتح نقاش قديم حول التكييف، بعدما ظل لعقود موضع تحفظ لدى جزء من الطبقة السياسية والبيئية.
ومع تسجيل درجات حرارة قياسية تجاوزت 40 درجة مئوية في مدن عدة، تحول التكييف من قضية تقنية مرتبطة بالراحة إلى موضوع سياسي يثير انقساما متزايدا بين اليمين واليسار حول أفضل السبل للتكيف مع تغير المناخ.
التكييف يدخل قلب المعركة السياسية
بحسب تقرير لموقع فرانس إنفو، أصبح التكييف أحد أبرز عناوين الجدل السياسي مع استمرار موجة الحرّ. وتوقعت مصادر حكومية أن تشهد الانتخابات الرئاسية المقبلة انقساما بين "فرنسا المراوح" و"فرنسا أجهزة التكييف"، في إشارة إلى تحول الملف إلى قضية انتخابية بامتياز.
واستغلّ اليمين وأقصى اليمين هذا الملف للدعوة إلى توسيع استخدام التكييف. فقد أعلن حزب الاتحاد الجمهوري الديمقراطي تقديم مشروع قانون يجعل التكييف إلزاميا في المدارس ودور رعاية المسنين، معتبرا أنّ موجات الحرّ لم تعد ظرفا استثنائيا بل تحديا دائما يتطلب حلولا مباشرة.
كما جددت زعيمة أقصى اليمين مارين لوبان دعوتها إلى تنفيذ "خطة واسعة للتكييف"، خصوصا في المستشفيات ودور المسنين والمدارس. وقالت إنّ الأمر يتعلق بـ"مسألة صحة عامة"، معتبرة أنّ حماية الفئات الأكثر هشاشة يجب أن تكون أولوية.
البيئة في مواجهة البراغماتية
في المقابل، لا يزال جزء من اليسار والقوى البيئية ينظر بحذر إلى التوسع الكبير في استخدام التكييف. ونقلت فرانس إنفو عن زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلونشون قوله إن تعميم التكييف "يزيد من الأضرار" البيئية، داعيا إلى التركيز على عزل المباني وتحسين كفاءتها الحرارية بدلا من الاعتماد على أجهزة التبريد.
وتستند هذه المخاوف إلى معطيات بيئية تشير إلى أن أنظمة التكييف تتسبب في انبعاث نحو 4.4 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا في فرنسا، أي ما يقارب 5٪ من انبعاثات قطاع المباني. كما يحذر باحثون من أن أجهزة التكييف تطرد الحرارة إلى الخارج، ما يرفع درجات الحرارة في الشوارع والمناطق الحضرية.
لكن الخطاب البيئي نفسه بدأ يشهد بعض التغير. فقد أكدت زعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه أن التكييف "ليس من المحرمات وليس حلا لكل شيء"، بينما أقرت النائبة البيئية ليا بالاج المريكي بإمكانية تجهيز المدارس والمستشفيات به عند الحاجة، مع التشديد على أن الحلول المستدامة مثل التشجير وتقليل المساحات الإسفلتية تبقى أكثر أهمية على المدى الطويل.
فرنسا تتراجع عن تحفظها التاريخي؟
يفيد تقرير نشرته صحيفة لوبينيون أن فرنسا تعاني تأخرا كبيرا مقارنة بدول أخرى في مجال التكييف، رغم تكرار موجات الحرّ خلال العقود الماضية.
وتشير الصحيفة إلى أن نسبة المدارس المجهزة بالتكييف لا تتجاوز 7٪، كما أن عددا من المستشفيات ومؤسسات رعاية المسنين لا تزال تفتقر إلى تجهيزات كافية لمواجهة الحرارة المرتفعة.
وتعتبر الصحيفة أنّ جزءا من هذا التأخر يعود إلى هيمنة رؤية بيئية ركزت لعقود على الحدّ من الانبعاثات أكثر من التركيز على التكيف مع آثار تغير المناخ. إلّا أنّ تكرار موجات الحر منذ عام 2020 دفع قطاعات واسعة من الرأي العام إلى إعادة النظر في هذا الموقف، خصوصا مع ازدياد الحاجة إلى حماية كبار السنّ والمرضى وسكان المساكن غير المعزولة.
وبينما لا يبدو أنّ الجدل سيحسم قريبا، فإن موجات الحرّ المتكررة دفعت معظم الأطراف السياسية إلى التخلي عن المواقف المتشددة. فالنقاش في فرنسا لم يعد يدور حول ما إذا كان التكييف مقبولا أو مرفوضا، بل حول حدود استخدامه ودوره ضمن استراتيجية أوسع للتكيف مع مناخ يبدو أنه يزداد سخونة عاما بعد عام.





