عندما غادرت ليانا، الطفلة الفرنسية البالغة 11 عاما، مدرستها في مدينة فلورانس جنوب غرب فرنسا، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول قصتها خلال أيام إلى واحدة من أكبر القضايا التي هزت البلاد في السنوات الأخيرة.

اختفت الطفلة قبل أن يعثر المحققون لاحقا على جثتها، لتبدأ بعدها سلسلة من التساؤلات التي تجاوزت تفاصيل الجريمة نفسها.

ومع تقدم التحقيقات، تبين أن المشتبه به الرئيسي كان محل شكاوى سابقة تتعلق بالعنف والاعتداءات الجنسية، بينها شكوى بالاغتصاب تعود إلى عام 2025، من دون أن يؤدي ذلك إلى استجوابه أو توقيفه قبل وقوع المأساة.

لم يعد، بالنسبة إلى كثير من الفرنسيين، السؤال يقتصر على من قتل ليانا، بل كيف تمكن شخص سبق أن أثار انتباه السلطات القضائية من البقاء خارج السجن إلى أن وقعت الجريمة.

ومع اتساع موجة الغضب، خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في أكثر من 160 مدينة فرنسية، بينما تحولت القضية إلى محور سجال سياسي وقضائي واسع النطاق.

وفي خضم هذه العاصفة، برز خلاف أعمق حول طبيعة الرد الذي ينبغي أن تقدمه الدولة. فهل تتجه فرنسا إلى تشديد العقوبات وإصلاح جذري لمنظومة التعامل مع العنف الجنسي ضد الأطفال، عبر تبني قوانين جديدة ومحاكم متخصصة وآليات أكثر صرامة في متابعة الشكاوى؟ أم أن النقاش سينحصر في إجراءات وقائية وتحذيرات موجهة إلى الأهالي بشأن المبيت خارج المنزل والثقة الممنوحة للبالغين المحيطين بالأطفال؟

📱

Loading TikTok...

غضب شعبي ومساءلة للدولة.. "كيف بقي المشتبه به حرا؟"

بحسب صحيفة لوموند، هيمنت قضية ليانا على جلسات الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث تعرضت الحكومة لسيل من الانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء.

واعترف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أمام النواب بحالة "الذهول" و"عدم الفهم" التي تسود الرأي العام بشأن الظروف التي أحاطت بمقتل الطفلة، فيما وجد وزير العدل جيرالد دارمانان نفسه في قلب العاصفة السياسية.

ووفقا لتقرير نشرته شارنت ليبر، قدم دارمانان اعتذاره إلى عائلة ليانا وإلى الفرنسيين "الذين يشعرون بالصدمة والرعب أمام مثل هذه الإخفاقات"، معترفا بأن المؤسسة القضائية "لم تنجح في حماية ليانا". كما وعد بفرض عقوبات إذا أثبتت التحقيقات وجود تقصير أو إخفاقات داخل السلسلة القضائية.

لكن هذا الاعتذار لم يهدئ الغضب الشعبي. فبحسب صحيفة لا كروا، خرج آلاف المتظاهرين في أكثر من 160 مدينة فرنسية للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات القضائية التي سمحت، بحسب المحتجين، ببقاء مشتبه به سبق أن ووجهت إليه اتهامات خطيرة خارج السجن.

ورفعت في المظاهرات شعارات مثل "استيقظي يا عدالة" و"لن يتكرر هذا أبدا" و"أعيدوا لنا العدالة".

وقالت لوري بيس، إحدى منظمي التجمعات الاحتجاجية في مدينة أجان، إن "كلام الأطفال لا يؤخذ على محمل الجد"، معتبرة أن القضاء يمنح وزنا أكبر لقرينة البراءة من اهتمامه بشهادات الضحايا. كما اتهمت جمعيات نسوية وجمعيات الدفاع عن الأطفال النظام القضائي بأنه "يحمي المعتدين أكثر مما يحمي الضحايا".

وأصبحت قضية ليانا رمزا لأزمة ثقة أوسع في العدالة الفرنسية. فبحسب الأرقام التي نقلتها شارنت ليبر، فإن 56% من الفرنسيين لا يثقون في القضاء، وهي نسبة استغلها السياسيون والمعارضون لتوجيه انتقادات حادة للحكومة والمؤسسة القضائية.

📱

Loading TikTok...

قانون جديد أم مجرد إجراءات موضعية؟

في خضم الجدل، عاد إلى الواجهة مشروع "القانون الشامل لمكافحة العنف الجنسي ضد النساء والأطفال"، وهو مقترح قدم أواخر عام 2025 ويحظى بدعم أكثر من مئة نائب من اتجاهات سياسية مختلفة. ووفقا لفرانس إنفو، تطالب رئيسة الجمعية الوطنية يائيل براون-بيفيت بتسريع مناقشة هذا المشروع، مؤكدة أن فرنسا بحاجة إلى "التحرك بسرعة أكبر وبقوة أكبر".

ويهدف المشروع إلى إحداث تغيير جذري في طريقة تعامل الدولة مع الجرائم الجنسية، من خلال مقاربة وصفتها براون-بيفيت بأنها "شاملة بزاوية 360 درجة"، تشمل الشرطة والقضاء والمدارس والقطاع الصحي والخدمات الاجتماعية.

ومن بين أبرز البنود المطروحة إنشاء وحدات شرطة ومحاكم متخصصة في جرائم العنف الجنسي، وإلزام السلطات بالاستماع الفوري للضحايا واستجواب المشتبه بهم بصورة منهجية، إضافة إلى جمع الأدلة الطبية والرقمية من دون تأخير. كما يقترح النص إنشاء مقابلة سنوية لكل طفل منذ سنوات الدراسة الأولى لرصد أي مؤشرات على تعرضه للعنف أو الاعتداء.

وترى النائبة الاشتراكية سيلين تيبو-مارتينيز، إحدى أبرز المدافعات عن المشروع، أن هذه الإجراءات يمكن أن تعزز الكشف المبكر عن الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال. أما الخبيرة في القانون الجنائي أودري دارسونفيل فاعتبرت أن العنف الجنسي يمثل ظاهرة "مستمرة ومترابطة" تستوجب معالجة شاملة لا تقتصر على القضاء وحده.

غير أن الحكومة لا تبدو مستعدة لتبني المشروع كاملا. فدارمانان أكد أمام النواب أن "القانون الشامل ضروري لعشرات الآلاف من الحالات"، لكنه أضاف أن أيا من بنوده "لم يكن ليمنع مأساة ليانا تحديدا". أما رئيس الوزراء لوكورنو فأعلن إدراج بعض الإجراءات فقط ضمن مشروع قانون حماية القاصرين الذي سيناقش في يوليو المقبل، مع التركيز على تشديد العقوبات.

بين "حفلات البيجاما" وتشديد العقوبات.. أي طريق ستختار فرنسا؟

بالتوازي مع النقاش القانوني، أثارت القضية جدلا اجتماعيا واسعا حول سلامة الأطفال أثناء النوم خارج المنزل والمشاركة في ما يعرف بـ"حفلات البيجاما".

وظهرت دعوات من بعض المسؤولين والخبراء إلى تشديد الرقابة الأبوية واتخاذ احتياطات أكبر عند إرسال الأطفال لقضاء الليل في منازل الآخرين.

غير أن جمعيات الدفاع عن الأطفال والنساء تحذر من اختزال القضية في سلوكيات الأهل أو في حفلات البيجاما. فبحسب المشاركين في الاحتجاجات التي نقلتها لا كروا، فإن جوهر المشكلة يكمن في الإخفاقات المؤسساتية التي سمحت بتجاهل شكاوى وتحذيرات سابقة.

وسألت الإعلامية فلوري فلامان خلال إحدى التظاهرات: "ما الأخطر؟ حكومة وقضاء يتركان مغتصبين طلقاء أم تظاهرة سلمية تطالب بإصلاح الأمور؟".

كما اعتبرت المخرجة أندريا بيسكون أن فرنسا تواجه "عملا ضخما" يجب إنجازه في القضاء والتعليم والخدمات العامة، مضيفة أن الأطفال يتعرضون للاعتداء على يد أشخاص عاودوا ارتكاب الجرائم مرات عدة.

ولهذا السبب، يرى كثير من النواب والجمعيات أن قضية ليانا قد تدفع فرنسا إلى ما هو أبعد من مجرد نصائح للأهل أو حملات توعية. فالمطالب المطروحة اليوم تشمل إصلاح آليات التحقيق، وتسريع معالجة الشكاوى، وإنشاء محاكم متخصصة، وتوفير موارد إضافية للقضاء، وتشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم الجنسية ضد الأطفال. أما إذا اكتفت الدولة بإجراءات رمزية وتحذيرات اجتماعية، فإن الغضب الشعبي الذي اجتاح الشوارع الفرنسية قد يتحول إلى أزمة ثقة أعمق بين المواطنين ومؤسسات العدالة.