في أعماق سجن ولاية أوكلاهوما، بعيدا عن ضوء الشمس وأعين الزوار، يقبع جناح يعرف بين السجناء باسم "المقابر". لا نوافذ، ولا ضوء طبيعي، ولا هواء خارجي. فقط ممرات خرسانية وغرف تحت الأرض يقضي فيها بعض النزلاء سنوات طويلة.
وفي رسائل حصلت عليها صحيفة الغارديان، وصف سجناء هذا الجناح حياتهم بأنها أقرب إلى العيش في كهف أو "زنزانة تعذيب نفسي"، مؤكدين أنهم يفقدون الإحساس بالزمن وأن بعضهم يصل إلى حافة الانهيار أو الانتحار.
وأعادت هذه الرسائل فتح ملف قديم يتعلق بجناح "إتش" في سجن ولاية أوكلاهوما بمدينة ماكاليستر، وهو مرفق شديد الحراسة تعرض لانتقادات حقوقية متكررة منذ عقود بسبب ظروف الاحتجاز داخله.
وبينما ينفي مسؤولو السجون الاتهامات الموجهة إليهم، يرى خبراء وناشطون أن ما تكشفه الشهادات يثير أسئلة جدية حول مدى التزام السلطات الأميركية بالمعايير الإنسانية داخل السجون الأكثر تشددا.
سنوات في الظلام.. سجناء بلا شمس
بحسب الرسائل التي نشرتها الغارديان، فإن جناح "إتش" يتكون من زنزانات تحت الأرض لا يصل إليها أي ضوء طبيعي. وكتب السجين تريمان وود، الذي أمضى 17 عاما في هذا الجناح، أن المكان "يشبه العيش في كهف" وأن أصعب ما فيه هو العزلة وفقدان الإحساس بالوقت. وأضاف في إحدى رسائله أن السجين "يفقد القدرة على التمييز بين الليل والنهار" وأن بعض النزلاء لا يتعافون أبدا من الآثار النفسية لهذه التجربة.
وتضمّ الوحدة حاليا 248 سجينا وفقا لإدارة السجن. ويقول سجناء إنهم يقضون نحو 23 ساعة يوميا داخل الزنازين، فيما يؤكد بعضهم أنهم ظلوا محبوسين أسابيع أو حتى أشهرا من دون مغادرة غرفهم إلا نادرا. كما تحدثت الرسائل عن غياب التواصل الإنساني والعزلة الطويلة التي ترافق الاحتجاز الانفرادي.
وقالت الدكتورة سوندرا كروسبي، أستاذة الصحة العامة في جامعة بوسطن والمتخصصة في علاج ضحايا التعذيب، إن الحرمان من ضوء الشمس يمثل "شكلا من أشكال المعاملة القاسية والمهينة والتعذيب". وأضافت أن التعرض للضوء ضروري للحفاظ على التوازن النفسي والشعور بالهوية الذاتية، مشيرة إلى أن الحرمان من الضوء استخدم سابقا كوسيلة عقاب في بعض مراكز الاحتجاز والحروب.
عنف وقذارة واتهامات بالإهمال
لا تقتصر شكاوى السجناء على الظلام، حيث قد تحدثت الرسائل عن انتشار الفئران والحشرات والثعابين داخل المرافق، وعن تسرب المياه إلى بعض الزنازين عند هطول الأمطار. وكتب السجين إدوارد سباركس أن الفئران أصبحت مألوفة إلى درجة أنها تتجمع حول صواني الطعام داخل الزنازين.
كما تضمنت الرسائل اتهامات بوقوع اعتداءات جسدية وجنسية متكررة بين السجناء. وقال سباركس إنه شاهد سجناء يخرجون من الزنازين وهم مصابون بعد اعتداءات جنسية، واتهم بعض عناصر الحراسة بتجاهل حوادث العنف وعدم التدخل لوقفها. كما تحدث سجناء عن استخدام رذاذ الفلفل بشكل متكرر وعن فترات طويلة من الحرمان من الاستحمام.
ووفقا للاتحاد الأميركي للحريات المدنية في أوكلاهوما، فإن غياب ضوء الشمس والخروج إلى الهواء الطلق يزيد من الأضرار النفسية الناتجة عن الحبس الانفرادي.
وقال رندي بومان، المسؤول في المنظمة، إن السجناء يعيشون في بيئة خرسانية ضيقة "تشبه الدفن أحياء" بالنسبة إلى بعض النزلاء. كما أشار إلى أن الدراسات تظهر أن العزلة الطويلة قد تؤدي إلى تفاقم الأمراض النفسية أو التسبب بها لدى أشخاص لم يكونوا يعانون منها سابقا.
انتقادات قديمة ورد رسمي رافض
تكشف الوثائق أن الانتقادات الموجهة إلى جناح "إتش" ليست جديدة. فقد أشار تقرير لمنظمة العفو الدولية عام 1994 إلى أن الزنازين تحت الأرض كانت مظلمة وصغيرة وتعاني من ضعف التهوية. كما هدد الاتحاد الأميركي للحريات المدنية في عام 2019 بمقاضاة إدارة السجن بسبب ما وصفه بالظروف القاسية وغير الإنسانية داخل الجناح، ما أدى آنذاك إلى نقل عدد من المحكومين بالإعدام إلى أقسام أخرى.
وفي المقابل، رفضت إدارة الإصلاحيات في أوكلاهوما الاتهامات الواردة في الرسائل، ووصفتها بأنها "غير دقيقة". وقالت في بيان نقلته الغارديان إن الإدارة تلتزم بجميع القوانين الفيدرالية والمحلية المتعلقة بإيواء السجناء ورعايتهم، مؤكدة أنها تتعامل بجدية مع قضايا السلامة والصيانة والرقابة داخل المؤسسات الإصلاحية.
لكن مركز معلومات عقوبة الإعدام اعتبر أن الادعاءات المتعلقة بجناح "إتش" تثير "مخاوف جديدة وخطيرة" بشأن مدى التزام السلطات بواجباتها الدستورية تجاه السجناء، داعيا إلى التدقيق في هذه المزاعم. وبينما تمكن بعض السجناء من مغادرة الجناح والانتقال إلى مرافق أخرى تضم نوافذ وضوءا طبيعيا، لا يزال عشرات النزلاء يعيشون في ما يصفونه بـ"المقابر"، في انتظار أن تجد هذه الرسائل آذانا صاغية خارج الجدران الخرسانية للسجن.





