في جنوب لبنان، لا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي أو الخسائر البشرية، بل تمتد إلى ما يعتبره كثيرون تهديدا لهوية تاريخية ودينية تعود إلى بدايات المسيحية نفسها.
مع اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية وتقدم القوات البرية إلى مناطق كانت تعد معاقل تاريخية للمسيحيين اللبنانيين، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الحرب إلى تفريغ هذه المناطق من سكانها الأصليين، وإحداث تغيير ديموغرافي قد يصعب عكسه مستقبلا.
وتقول صحيفة إل إندبندينتي الإسبانية إن ما يجري اليوم يهدد وجود مجتمعات مسيحية حافظت على حضورها في جنوب لبنان على مدى نحو ألفي عام.
قرى مسيحية عالقة في قلب المعارك
بحسب الصحيفة، أدى التقدم العسكري الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني إلى تحويل عدد من القرى المسيحية التي حاولت البقاء على الحياد إلى ساحات مواجهة مباشرة. وتشمل هذه المناطق رميش ودبل وعين إبل والقليعة، حيث بات السكان يواجهون خطر القصف والنزوح على حد سواء.
وتورد الصحيفة مثالا على ذلك بمقتل الطبيب جيمس كرم ونجليه ثيودوسيا وطوني إثر غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم قرب القليعة أثناء عودتهم من مدينة صيدا بعد تقديم الامتحانات الجامعية.
كما تعرضت بلدتا مغدوشة وعنقون، اللتان استقبلتا آلاف النازحين من مختلف الطوائف، لغارات مكثفة بعد ساعات فقط من صدور أوامر بالإخلاء.
وترى الصحيفة أن هذه التطورات تسهم تدريجيا في إفراغ جنوب لبنان من سكانه التاريخيين ومن التنوع الديني الذي ميز المنطقة لعقود طويلة.
الكنائس والأديرة تحت النار
إلى جانب الخسائر البشرية، تتحدث قيادات مسيحية لبنانية عن استهداف أو تضرر مواقع دينية وتاريخية مهمة. وتقول إل إندبندينتي إن إسرائيل تبرر بعض الهجمات بالقول إن حزب الله يستخدم هذه المواقع لأغراض عسكرية، إلا أن الأديرة والكنائس في بلدات مثل دير ميماس ويارون تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة القصف المدفعي.
كما أثارت صور انتشرت في مايو الماضي موجة غضب دولية بعدما أظهرت جنودا إسرائيليين وهم يعبثون بتماثيل للسيدة العذراء في دبل والمسيح في يارون. ورغم إدانة شخصيات دينية يهودية ومنظمات دولية لهذه التصرفات واعتبارها أعمالا فردية، فإن العديد من المسيحيين المحليين رأوا فيها رسالة تمس جذورهم التاريخية في المنطقة.
الخوف من اختفاء أحد أقدم المجتمعات المسيحية
تكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الفريدة التي يتمتع بها لبنان في الشرق الأوسط. فالبلد يضم 18 طائفة معترفا بها رسميا، ويشكل المسيحيون نحو 30% من السكان، فيما يتوزع الباقون بين الطوائف الإسلامية المختلفة.
وتشير الصحيفة إلى أن مدينة صور كانت من أوائل المراكز التي انتشرت فيها المسيحية، وأن سفر أعمال الرسل، وهو من أقدم النصوص المسيحية، يذكر وجود جماعة مسيحية فيها خلال حياة القديس بولس.
وأصدر الجيش الإسرائيلي الثلاثاء إنذارا بالإخلاء لمدينة صور اللبنانية، بما في ذلك الحي المسيحي، قبل غارات محتملة.
وكانت إنذارات إخلاء سابقة استثنت الحي المسيحي، إلا أن الجيش زعم إن الحي يضم عناصر من حزب الله، دون تقديم أدلة.
لذلك يرى رجال دين ومؤسسات كنسية، وصولا إلى الفاتيكان، أن النزوح المستمر وتدمير القرى التاريخية لا يهددان السكان الحاليين فقط، بل يهددان أيضا أحد أقدم التجمعات المسيحية في العالم.
ولهذا السبب تكثفت الدعوات الدبلوماسية والدينية المطالبة بوقف الأعمال القتالية، وسط تحذيرات من أن فقدان التعددية الدينية في لبنان سيجرد البلاد من إحدى أهم سماتها التاريخية، ويؤدي إلى اختفاء جزء من الإرث المسيحي الذي استمر في هذه المنطقة منذ قرابة ألفي عام.





