في تحول قد يعيد رسم ملامح سياسة الهجرة الأوروبية لعقود مقبلة، توصل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق بشأن تشديد غير مسبوق لقواعد ترحيل المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم، في خطوة تعكس انتقال أوروبا من مرحلة التركيز على الاستقبال والاندماج إلى مرحلة جديدة تضع الإبعاد والتنفيذ الصارم لقرارات الترحيل في صدارة الأولويات.
وقالت صحيفة ليزيكو الفرنسية إن الاتفاق، الذي يشكل الحلقة الأخيرة في منظومة الإصلاحات الأوروبية الخاصة بالهجرة، يهدف إلى معالجة واحدة من أبرز نقاط الضعف في السياسة الأوروبية، والمتمثلة في صعوبة تنفيذ قرارات الترحيل بحق الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء داخل أراضي الاتحاد الأوروبي.
تشديد غير مسبوق
وبموجب الاتفاق الجديد، سيُطلب من الأشخاص الصادرة بحقهم قرارات ترحيل التعاون الكامل مع السلطات الوطنية. وفي حال رفضهم التعاون، ستتمكن الدول الأوروبية من فرض سلسلة من العقوبات تشمل مصادرة بعض الوثائق الرسمية، وتقليص المساعدات المقدمة لهم، إضافة إلى تمديد فترات الاحتجاز الإداري لتصل إلى 24 شهرا في بعض الحالات.
كما ينص الاتفاق على تشديد عقوبات منع الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، إذ سترتفع مدة الحظر من 5 سنوات إلى 10 سنوات، وقد تصل إلى 20 عاما في الحالات التي تعتبرها السلطات خطيرة أو مرتبطة بتهديدات للأمن العام.
ومن أبرز المستجدات أيضا استحداث ما يسمى "أمر العودة الأوروبي"، وهو نموذج موحد يسمح بالاعتراف المتبادل بين الدول الأعضاء بقرارات الترحيل الصادرة في أي دولة أوروبية، بما يحد من ظاهرة انتقال المهاجرين بين الدول الأوروبية بعد صدور قرارات بإبعادهم.
مراكز خارج أوروبا
لكن البند الأكثر إثارة للجدل يتعلق بالسماح بإنشاء مراكز لإعادة المهاجرين في دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن نقل طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم إليها قبل إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وتعيد هذه الفكرة إلى الأذهان التجربة الإيطالية في ألبانيا، التي واجهت عراقيل قانونية وقضائية كبيرة وأدت إلى بقاء المركز لفترات طويلة شبه فارغ. ومع ذلك، يبدو أن عددا من الدول الأوروبية لم يتخل عن الفكرة.
ووفقا لصحيفة ليزيكو، تعمل هولندا والنمسا والدنمارك وألمانيا واليونان حاليا بشكل مشترك على دراسة إنشاء مراكز إقليمية مشتركة في دول مثل كازاخستان وأوزبكستان ورواندا، في محاولة لتجاوز العقبات التي واجهتها التجارب السابقة.
في المقابل، أبدت فرنسا تحفظات واضحة تجاه هذا التوجه. ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي فرنسي قوله إن باريس تشكك في الجدوى القانونية لهذه المراكز وفي تكلفتها المالية المرتفعة، فيما ذهبت إسبانيا أبعد من ذلك وأعلنت معارضتها للفكرة بشكل صريح.
دور فرنسي بارز
ورغم تحفظها على بعض الجوانب، لعبت فرنسا دورا مهما في صياغة الاتفاق النهائي. فمنذ مارس 2025 دفعت باريس باتجاه توسيع حالات الاحتجاز الإداري، وتشديد واجب التعاون مع السلطات، ومنح اهتمام خاص للأشخاص الذين تعتبرهم الدول مهددين للنظام العام.
كما شهدت المفاوضات خلافات حادة بشأن توقيت تطبيق القواعد الجديدة. وانتهى الأمر إلى اعتماد صيغة تقضي بدخول معظم البنود حيز التنفيذ فور المصادقة النهائية عليها، بينما تؤجل البنود التي تتطلب تعديلات تشريعية داخل الدول الأعضاء لمدة عام واحد.
انقسام سياسي حاد
وكشفت المفاوضات عن حجم الانقسام السياسي المتزايد داخل أوروبا بشأن ملف الهجرة. فقد لعب النائب الفرنسي فرانسوا كزافييه بيلامي دورا محوريا في تمرير الاتفاق داخل البرلمان الأوروبي، مستندا إلى تحالف ضم أحزاب اليمين ويمين الوسط وأحزاب اليمين المتشدد.
وأثار ذلك غضب الأحزاب التقدمية والبيئية التي اعتبرت أن الاتفاق يمثل انتصارا للتيارات الداعية إلى تشديد سياسات الهجرة.
وقال وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي بنجامين حداد إن الاتفاق يمثل "تقدما كبيرا" في تعزيز أدوات الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير النظامية، مؤكدا أن الدول الأوروبية كانت تطالب بهذا النص منذ سنوات.
في المقابل، وصفت النائبة الأوروبية ميليسا كامارا الاتفاق بأنه "مخزٍ"، معتبرة أنه يشكل تراجعا تاريخيا عن حماية الحقوق الأساسية للمهاجرين وطالبي اللجوء.
أما المنظمات الحقوقية، فقد حذرت من أن مراكز الإعادة الخارجية قد تتحول إلى مناطق احتجاز خارج الرقابة القانونية الأوروبية، بما يثير مخاوف بشأن احترام حقوق الإنسان والضمانات القضائية.
من الاستقبال إلى الإبعاد
وتفيد ليزيكو أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في تفاصيله القانونية، بل في الرسالة السياسية التي يحملها. فبعد سنوات من الجدل حول توزيع طالبي اللجوء وسبل دمجهم داخل المجتمعات الأوروبية، بات التركيز اليوم منصبا على كيفية تسريع عمليات الإبعاد وتنفيذ قرارات الترحيل.
ويعكس هذا التحول الضغوط السياسية المتزايدة التي تواجهها الحكومات الأوروبية نتيجة صعود الأحزاب اليمينية وتزايد المخاوف المرتبطة بالهجرة غير النظامية.
غير أن السؤال الذي يظل مطروحا، بحسب الصحيفة، هو ما إذا كانت الدول الأوروبية ستنجح فعلا في تطبيق هذه الإجراءات الطموحة على أرض الواقع، خاصة أن تجارب سابقة في إيطاليا وبريطانيا أظهرت أن تحويل التشدد السياسي إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ يظل أكثر تعقيدا مما يبدو على الورق.





