كان يفترض أن يكون اليوم الأخير لطلاب الصفوف النهائية في الليسيه الفرنسية اللبنانية الكبرى في بيروت وداعًا هادئًا لمقاعد الدراسة.

لكن الفرحة خرجت عن مسارها سريعًا، بعدما تحوّل الاحتفال إلى مشهد أثار صدمة داخل المدرسة وبين الأهالي، أبواب مكسورة، صف مخرب، مفرقعات، فيديوهات متداولة، وتحقيق ينتظر أن يحدد مصير الطلاب المتورطين.

الحادث، الذي انتشرت مشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي، وصفه ناظر المدرسة جان ميشال ميغر بأنه "خطير" و"لن يمر بلا عقاب".

وبين العقوبات المنتظرة والأسئلة التربوية الأوسع، عادت إلى الواجهة معضلة قديمة، لماذا يتحول وداع المدرسة أحيانًا من لحظة فرح إلى انفجار جماعي ضدها؟

ماذا حصل؟ 11 دقيقة قلبت الاحتفال

بحسب تقرير لوريان لو جور وبيان المدرسة، وقعت الحوادث الخميس 14 مايو، في اليوم الأخير من الدروس لطلاب الصفوف النهائية. بدأ النهار بلحظات ودية بين الطلاب والأساتذة، ثم لقاءات مع تلامذة المرحلة الابتدائية، قبل أن يصعد نحو 20 طالبا إلى الطوابق العليا.

قال ميغر إن بعض الطلاب كانوا ملثمين ومقنعين، وكسروا أبوابًا، ودفعوا مراقبين، وخرّبوا صفًا، محطّمين مقاعد وكراسي. وأُلقيت مفرقعات داخل المؤسسة، ما أثار حالة من الذعر، فيما أصيبت طالبة بنوبة ربو خلال الفوضى.

واستغرقت المجموعة الأساسية 11 دقيقة فقط لخلع 4 أبواب، وتخريب قاعة صفية، وكتابة عبارات على الجدران بالطلاء. ثم لحق بهم ما بين 150 و200 طالب إلى الطوابق العليا، "من دون أن يشاركوا بالضرورة في التخريب"، وفق الناظر.

عقاب معلّق وتحقيق مفتوح

تحاول إدارة الليسيه حصر الحادث في إطاره الفعلي. فالمدرسة شددت في بيانها على أن الفيديوهات المتداولة تعطي انطباعًا بوجود شغب عام، بينما وقعت الحوادث خلال فترة قصيرة جدًا وفي جزء محدود من المؤسسة، بعيدًا خصوصًا عن المدرسة الابتدائية.

لكن محدودية المكان والوقت لم تُخفف من خطورة الواقعة. الإدارة أكدت أن التحقيق جارٍ، وأن الإجراءات المناسبة ستُتخذ بعد صدور نتائجه. كما أصبح حفل التخرج وتسليم الشهادات، المقرر في 23 يونيو، معلّقًا في الوقت الراهن.

في المقابل، عبّر مجلس أهالي الطلاب عن صدمته، ودان "غياب تدخل عناصر الأمن منذ بداية أعمال العنف"، مطالبًا بتوضيحات وإجراءات قوية وفورية، ومشددًا على أن أمن الأطفال لا يمكن أن يتعرض للخطر.

هل التخريب تقليد قديم؟

حادثة الليسيه ليست معروضة في فراغ. فالكاتبة اللبنانية ماري القصّيفي استحضرت، على خلفية ما جرى، مقالة نشرتها عام 2016، معتبرة أن التخريب في حفلات التخرج موجود منذ زمن، لكنه لم يكن مرئيًا كما هو اليوم بسبب غياب الكاميرات ووسائل التواصل.

وفي خلفية لبنانية سابقة، نشر لبنان 24 عام 2016 خبرًا عن شغب وتكسير في مدرسة سيدة الجمهور، حيث تطور إشكال بين تلامذة الثالث الثانوي إلى تكسير وهرج ومرج وترويع لتلامذة أصغر، مع تلويح الإدارة حينها بالفصل بعد التحقيق.

هذه السوابق لا تجعل حادث الليسيه "ظاهرة مثبتة" في كل المدارس، لكنها تكشف أن سؤال التخرج والتخريب ليس جديدًا.

من المقلب إلى الخطر

خارج لبنان، طرحت سي بي إس السؤال نفسه عام 2015: متى يتحول مقلب طلاب الصفوف النهائية إلى تخريب خطير؟ في مدارس بمنطقة ساكرامنتو، شملت الحوادث طلاء صفوف، إغلاق أبواب بالغراء، قطع شجرة، وكتابة عبارات بذيئة، مع كلفة تنظيف بلغت في إحدى المدارس نحو 70 ألف دولار.

أما نيويورك تايمز، فتناولت عام 2021 ترندات على تيك توك شجعت على سرقة ممتلكات مدرسية وتخريبها، في موجة زادت عبء الإدارات بعد الجائحة. لكن في حالة الليسيه، لا تذكر التقارير أن تيك توك كان سبب الحادث، الثابت فقط أن الفيديوهات ساهمت في انتشار الصدمة.

لماذا يفعل الطلاب ذلك جماعيًا؟

في مقابلة تربوية مع سيلفان دولوفيه، المحاضر في علم النفس الاجتماعي بجامعة رين 2، يظهر تفسير آخر، الفرد قد يتصرف داخل المجموعة بطريقة لا يتصرف بها وحده. داخل الجماعة، يتراجع الإحساس بالمسؤولية الفردية، ويصبح السلوك أكثر اندفاعًا وعدوى.

لذلك، يقترح دولوفيه "تفريد" الطلاب، مخاطبة كل طالب باسمه، ومحاسبته كفرد، لا كجزء من كتلة غامضة. عندها يستعيد مسؤوليته الشخصية.

بين تحقيق الليسيه وأسئلة الأهالي، يبقى مصير الطلاب معلّقًا. لكن الحادث يطرح ما هو أبعد من العقاب، كيف يمكن للمدرسة أن تجعل يوم الوداع لحظة انتماء إليها، لا لحظة انفجار ضدها؟