كانت الحكاية، في بدايتها، صالحة لكل ما يحرّك العاطفة على منصات التواصل، فتاة تقول إنها تقاوم السرطان، فيديوهات مؤثرة، جمهور يتعاطف، ومشاهير يوسّعون دائرة الدعم. لكن قصة دنيا فؤاد انقلبت سريعا من رواية عن "محاربة السرطان" إلى قضية اتهامات وجمع تبرعات وتحقيقات أمنية.

بدأت الشكوك بعد تداول صور ومقاطع أثارت أسئلة حول مصير الأموال، قبل أن تقول الإعلامية ندى الجبالي، خلال مداخلة تلفزيونية، إنها كانت من أوائل داعمي دنيا، ثم اكتشفت، بحسب روايتها، أن القصة غير حقيقية. وأضافت أن تقارير المركز الطبي لم تثبت خضوع دنيا لعلاج كيماوي أو إشعاعي أو إصابتها بأورام خبيثة، رغم ادعائها إجراء عمليات متعددة، بحسب ما أوردته صحيفة "الوطن".

ثم دخلت القضية مرحلة أمنية. ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية نقلته القاهرة ٢٤، جاء ضبط دنيا فؤاد بعد بلاغ من صحفية اتهمتها بالنصب والاحتيال واستغلالها في جمع تبرعات من متابعيها بزعم إصابتها بأمراض سرطانية. وبمواجهتها، أقرت، بحسب البيان، بنشر مقاطع فيديو لجمع تبرعات مالية بعد شعورها بآلام ظنت أنها أورام سرطانية، من دون أن تقدم مستندات تدعم أقوالها. وتولت النيابة العامة التحقيق.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

سؤال أكبر من حالة واحدة

قضية دنيا فؤاد لا تفتح سؤالا عن شخص واحد فقط، بل عن بيئة كاملة، لماذا نصدّق روايات المرض بسرعة؟ كيف يتحول التعاطف إلى تبرع؟ ومتى يصبح وجع المرضى الحقيقيين مادة يمكن تقليدها واستغلالها؟

هنا لا تأتي مقابلة بلينكس مع المعالجة والمحللة النفسية والأستاذة الجامعية ماري آنج نهرا كتشخيص لدنيا فؤاد، ولا كحكم على حالة بعينها. نهرا لا تتحدث عن هذه القضية تحديدا. لكنها تقدم قراءة عامة لظاهرة أوسع، شخصيات قد تبني قيمتها على نظرة الآخرين، ومنصات تكافئ الإثارة، وجمهور قد ينجرف وراء التعاطف من دون حدود.

في حديثها إلى بلينكس، تقول نهرا إن بعض الأشخاص يمتلكون شخصية هشّة، تقوم على آراء الآخرين بهم، وتعيش من خلال نظرة الآخر، وتحديدا نظرة الإعجاب. هؤلاء، بحسبها، يفتشون عن الاهتمام "من أي شخص وبأي طريقة"، لأنهم لا يحتكمون دائما إلى ضمير رادع أو أسلوب واضح لتفادي المشكلات، بل تتحكم بهم المصلحة الشخصية السريعة والرغبة في إرضاء النزوات.

حين تكافئ المنصات الصدمة

لا تقف المسألة عند الفرد وحده. نهرا ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية فتحت مجالا أوسع لهذا النوع من السلوك، لأنها تعمل وفق الخوارزميات والأرقام. وكلما كان المحتوى فاضحا أو مثيرا أو صادما، جذب عددا أكبر من الإعجابات والمتابعات.

بهذا المعنى، لا يصبح المرض مجرد حالة إنسانية. يصبح رواية. والرواية تحتاج إلى صورة، وتحديثات يومية، ودموع، وتفاعل، ومتابعين يريدون معرفة "ماذا حدث بعد ذلك؟". هنا يتحول المتلقي من متعاطف إلى متابع دائم، وقد يتحول العطاء نفسه إلى جزء من العلاقة مع القصة.

بحسب نهرا، يستخدم بعض الأشخاص الشفقة واهتمام الناس بالضحية من أجل جذب الأنظار واستقطاب الإعجاب. وغالبا ما تكون الضحايا، في مثل هذه الديناميات، من الأشخاص الضعفاء أو المستضعفين، لأن من يستغلهم "يتقوّى عليهم". وترى أن الحاجة إلى الاعتراف بالوجود قد تصبح، لدى بعض الشخصيات، أقوى من القدرة على تقييم الفعل أخلاقيا.

التعاطف ليس المشكلة

لكن نهرا لا تدعو إلى قتل التعاطف. الفارق، كما توضحه، شاسع بين التعاطف والانجراف. التعاطف يعني أن يشعر الإنسان مع الآخر من دون أن يفقد حدوده. أما الانجراف، فهو الاستسلام الكامل للعاطفة من دون محاسبة أو مسافة أو سؤال.

وتشير إلى أن الأكثر عرضة لهذا النوع من الاستغلال هم أصحاب الإحساس المرهف، أو الذين يملكون رغبة كبيرة في العطاء، أو الذين لا يعرفون كيف يضعون حدوداً لتعاطفهم. هؤلاء قد يجدون في العطاء ما يغنيهم داخلياً، فيكررونه من دون الانتباه إلى احتمال تعرضهم للاستغلال.

لذلك تضع نهرا علامة تحذير واضحة: "التكرار". فإذا تكرر المحتوى بالطريقة نفسها، فقد يدل ذلك على وجود استغلال أو احتيال. أما الشخص الذي يقوم بعملية نصب، فغالبا ما يركز، بحسبها، على الإثارة الدائمة، ما يخلق نوعا من الإدمان لدى المتلقي، يدخل يومياً لمعرفة ما حصل للضحية أو الطفل أو الحالة المعروضة. عندها، لا يعود الأمر عملا إنسانيا فقط، بل فضولا دائما يغذيه المحتوى.

قصص قديمة بنسخ جديدة

ما حدث حول قضية دنيا فؤاد، وفق الاتهامات والتحقيقات، ليس معزولاً عن نمط عالمي أوسع.

في بريطانيا، اعتذرت المؤثرة بريتاني ميلر باكية عن كذبها بشأن إصابتها بالسرطان عام 2017، وقالت إن صحتها النفسية كانت سيئة جداً، وإنها لم تفعل ذلك بهدف الاحتيال على الناس أو من أجل الإعجابات والمتابعين.

وأوضحت أن صفحة تبرعات أُنشئت نيابة عنها، لكنها قالت إنها طلبت إغلاقها ولم تأخذ منها مالا.

في أستراليا، كانت بيل غيبسون من أشهر الحالات. بنت حضوراً واسعاً في عالم العافية على قصة قالت فيها إن التغذية ونمط الحياة الصحي عالجا سرطانا لم تكن مصابة به أصلا. لاحقا، أُدينت مدنيا بانتهاك قوانين حماية المستهلك وغُرّمت 410 آلاف دولار.

وفي الولايات المتحدة، زيفت أماندا رايلي تشخيصاً بالسرطان وجمعت أكثر من 100 ألف دولار من داعمين، قبل أن تقر بالذنب في تهمة الاحتيال الإلكتروني وتحكم عليها محكمة فدرالية بالسجن خمس سنوات.

كما سُجنت أماندا ماري باور في كوينزلاند بعد تزييف إصابتها بالسرطان وجمع نحو 24 ألف دولار أسترالي من أصدقاء وأفراد عائلة وغرباء.

مال أم اهتمام؟

هناك "التمارض"، أي الكذب المتعمد بشأن مرض ما لتحقيق هدف خارجي، مثل الحصول على المال أو تجنب مسؤوليات. وهناك، في حالات أخرى، ما يسمى "الاضطراب المفتعل"، حيث لا يكون المكسب المالي بالضرورة هو الهدف الأساسي، بل الحاجة النفسية إلى الرعاية والاهتمام والقبول، حسب ذا كونفرسايشون.

لكن التمييز ليس سهلا دائما. قد يتداخل المال مع الاهتمام، وقد تبدأ القصة من أزمة نفسية أو مرض حقيقي أقل خطورة، ثم تكبر بفعل التعاطف والتبرعات والجمهور. وفي المسار الجنائي يصبح الاحتيال نفسه هو محور القضية، بغض النظر عن الخلفية النفسية.

كيف لا يصبح العطاء ضحية؟

تدعو نهرا المتلقي إلى التنبه لمصدر المعلومة وهوية الشخص الذي ينشرها، وإلى سؤال نفسه: ماذا أشعر عندما أقرأ هذا المحتوى؟ هل أريد فعلاً القيام بعمل إنساني، أم أنني منجرف وراء الفضول؟ وإذا كان الهدف عملاً إنسانياً، يمكن القيام به بشكل مباشر ومنفرد، من دون الحاجة إلى منصة.