قالت صحيفة فايننشال تايمز إن جهاز الأمن الصيني رفع مستوى التحذير من ظاهرة ابتعاد الشباب عن الدراسة والعمل، في مؤشر على انتقال هذا الملف من كونه قضية اجتماعية إلى مسألة تضعها بكين ضمن أولوياتها المرتبطة بالاستقرار ومستقبل النمو الاقتصادي.

ويأتي هذا الخطاب في وقت تتزايد حالات الابتعاد عن المسار التعليمي أو المهني، وسط تغيرات اقتصادية وضغوط متزايدة على سوق العمل.

وتشير المعطيات إلى أنّ هذه الظاهرة باتت تثير قلقا متصاعدا داخل المؤسسات الرسمية، في ظلّ ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وتراجع وتيرة النمو الاقتصادي، ما دفع الجهات الأمنية إلى التدخل بخطاب مباشر يحذّر من تداعياتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

مقاربة أمنية لظاهرة اجتماعية

بحسب التقرير، حمّل جهاز الأمن الصيني ما وصفه بـ"قوى خارجية معادية" مسؤولية انتشار خطاب يدعو الشباب إلى ترك المدرسة أو العمل أو التخلي عن المسار المهني، مشيرا إلى أن هذه الجهات تسعى إلى "إضعاف عقول الشباب" عبر نشر محتوى يحث على رفض ثقافة العمل.

وفي بيان رسمي، دعا الجهاز الشباب إلى "التمسك بطموحاتهم الأصلية" وعدم التأثر بما وصفه بالضوضاء الخارجية، مؤكّدا أن ازدهار الدولة مرتبط بازدهار شبابها، وأنّ هذا السلوك قد يؤدي إلى خسارة فرص التنمية المستقبلية.

ويعكس هذا الطرح انتقال الظاهرة من كونها مسألة اجتماعية إلى ملف يتم التعامل معه ضمن اعتبارات الأمن القومي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تحولات اقتصادية تضغط على سوق العمل

في المقابل، يشير التقرير إلى أنّ الواقع الاقتصادي يلعب دورا محوريا في انتشار الظاهرة. فقد تباطأ النمو الاقتصادي في الصين إلى مستويات تتراوح بين 4.5 و5٪، وهو من أدنى المعدلات خارج فترات الجائحة. كما ساهمت أزمة قطاع العقارات وتراجع الأرباح واشتداد المنافسة في زيادة شعور الإحباط لدى الشباب.

وأوضح ستيف تسانغ، مدير معهد الصين في جامعة سواس بلندن، أن العمل الشاق لم يعد يحقق نفس العوائد كما في السابق، قائلا إن الشباب باتوا يتساءلون عن جدوى "العمل بجهد كبير" في ظلّ هذه الظروف.

وتشير المعطيات إلى أنّ بعض الشباب اختاروا العودة إلى مناطقهم الريفية أو العمل في وظائف مؤقتة، فيما فضّل آخرون الخروج من سوق العمل والاعتماد على مدخراتهم.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

قصص فردية تعكس التحول في المزاج العام

ويعرض التقرير نماذج فردية توضح هذا التحول، إذ قررت امرأة تبلغ 34 عاما مغادرة شنغهاي بعد ١٠ سنوات من العمل والعودة إلى قريتها، مشيرة إلى شعورها بالإرهاق وعدم جدوى العمل الذي كانت تقوم به. كما تخطط للعمل في الزراعة أو البحث عن نمط حياة مختلف، معتبرة أن هذا الخيار لا يحمل دلالة سلبية.

وفي حالة أخرى، قالت شابة تبلغ 31 عاما إنها تعتزم ترك وظيفتها بعد الحصول على مكافأتها السنوية، مشيرة إلى أن عددا متزايدا من أقرانها لم يعد لديهم خطط مهنية طويلة الأمد، ويفضلون "أخذ استراحة" من سباق العمل.

ويرى خبراء، من بينهم كاتيا درينهاوزن من مركز ميركس، أن بكين باتت تنظر إلى هذه الظاهرة على أنها تهديد اقتصادي وأمني في آن واحد، خاصة في مرحلة تتطلب الحفاظ على ديناميكية سوق العمل.

كما أشار التقرير إلى أنّ اتهام "قوى خارجية" يوفر تفسيرا جاهزا في ظلّ صعوبة ربط التباطؤ الاقتصادي بعوامل داخلية بشكل مباشر.