مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، الذي ينعقد الخميس في العاصمة الفرنسية، يشكل محطة مفصلية في مسار التعامل الدولي مع الوضع الأمني في لبنان، بخاصة في الجنوب، حيث تنتشر قوات الأمم المتحدة الموقتة المعروفة باليونيفيل منذ العام 1978.
ومع اقتراب نهاية ولاية هذه القوات في أواخر هذا العام، تتزايد الأسئلة عن الجهة التي ستتولى المهمة بعد انسحابها، وما إذا كان مؤتمر باريس يمهّد فعلاً لمرحلة جديدة يكون فيها الجيش اللبناني المحور الأساس في أي ترتيبات أمنية مقبلة.
المؤتمر الذي ينعقد بمشاركة دول عربية وغربية، ليس مجرد اجتماع تقني لبحث سبل دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، إنما يحمل رسائل سياسية واضحة، أبرزها أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع الجيش اللبناني بوصفه الطرف المحلي الوحيد القادر على ملء الفراغ الذي قد ينشأ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وأن تعزيز قدراته لم يعد خياراً بل ضرورة ملحّة.
لماذا مؤتمر باريس مهم؟
أهمية المؤتمر تنبع من ثلاثة عوامل:
- توقيته، إذ يأتي في مرحلة حساسة تتزامن مع نقاش دولي واسع حول مستقبل الجنوب اللبناني بعد انتهاء ولاية اليونيفيل.
- مستوى المشاركة، حيث تشارك فيه دول مؤثرة في القرار الدولي مثل فرنسا والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والعربية، ما يعكس اهتماماً جدياً بمنع أي فراغ أمني على الحدود اللبنانية.
- طبيعة الرسائل التي رافقت الإعلان عنه، والتي ركزت على ضرورة تمكين الجيش اللبناني من تولي مسؤوليات أكبر في الجنوب.
ما المتوقع من مؤتمر باريس؟
من المتوقع أن يفتح المؤتمر الباب أمام مسار جديد من الدعم الدولي للجيش اللبناني، يشمل تمويلاً إضافياً، وتدريباً متقدماً، وتجهيزات ميدانية تسمح له بتعزيز انتشاره في الجنوب.
كما يُرجح أن يشكل المؤتمر منصة لتنسيق دولي أوسع حول دور الجيش في مرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل"، خصوصاً أن عدداً من الدول المشاركة أبدى استعداداً لزيادة الدعم اللوجستي والتقني للمؤسسة العسكرية.
صحيفة لوموند ربطت المؤتمر مباشرة بالبحث الدولي عن قوة بديلة لليونيفيل، معتبرة أن تعزيز الجيش اللبناني هو الخطوة الأولى نحو انتقال تدريجي في الجنوب.
وقال دبلوماسيون لرويترز إن المسؤولين الذين سيجتمعون في باريس سيعملون على تقييم الاحتياجات العسكرية والمالية بدقة تمهيدا لمؤتمر للمانحين يرجح عقده في أواخر عام 2026 أو مطلع 2027.
ويتمثل مبعث القلق الأكثر إلحاحا في كيفية سد الفراغ الأمني المحتمل عندما تبدأ قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، التي تضم نحو 7500 فرد، تقليص وجودها اعتبارا من يناير.
من سيخلف قوات اليونيفيل؟
مع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل، تتعدد السيناريوهات المطروحة لخلافة هذه القوة، وكل سيناريو يحمل خلفيات سياسية وأمنية مختلفة.
- السيناريو الأول هو نشر قوة أوروبية متعددة الجنسيات تعمل تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. هذا الخيار يحظى بدعم دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وقد أشارت إليه تقارير صحافية عدة. هذه القوة ستكون سريعة الانتشار وذات قدرة لوجستية كبيرة، لكنها تفتقر إلى الشرعية الأممية، ما قد يجعل قبولها لبنانياً مشروطاً.
- السيناريو الثاني هو إنشاء قوة دولية جديدة بقرار من مجلس الأمن، تعمل تحت الفصل السادس أو السابع. الفصل السادس يعني قوة مراقبة غير قتالية تحتاج موافقة لبنان، بينما الفصل السابع يمنح القوة صلاحيات تنفيذية واسعة لكنه يواجه رفضاً لبنانياً ودولياً. هذا السيناريو يبدو أقل احتمالاً بسبب الانقسام الدولي حيال شكل القوة المطلوبة.
- السيناريو الثالث هو تشكيل قوة متعددة الجنسية خارج منظومة الأمم المتحدة بقيادة فرنسا وإيطاليا، وهو خيار طرحته مصادر دبلوماسية أوروبية. هذه القوة قد تكون بديلاً سريعاً في حال فشل مجلس الأمن في إصدار قرار جديد، لكنها تحتاج اتفاقاً سياسياً واسعاً بين لبنان والدول المشاركة.
- السيناريو الرابع هو تحويل اليونيفيل إلى بعثة مدنية بلا قوات عسكرية، تقتصر مهامها على مراقبة وقف إطلاق النار وإدارة الاجتماعات الثلاثية. هذا الخيار ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لكنه لا يوفر قدرة ردعية على الأرض.
- أما السيناريو الخامس فهو تسليم كامل للجيش اللبناني مع دعم دولي كبير، وهو خيار ينسجم مع توجه مؤتمر باريس، لكنه يحتاج تمويلاً ضخماً واستقراراً سياسياً يسمح للجيش بتولي مسؤوليات واسعة في الجنوب. صحيفة ليبراسيون ركّزت على أن الجيش "يمثّل آخر مؤسسات الدولة التي لا تزال تعمل"، وأن دعمه ضرورة سياسية قبل أن تكون عسكرية.
وقال مسؤول في الرئاسة الفرنسية للصحفيين قبيل الاجتماع "لا يزال يتعين تحديد آليات هذا التحرك الدولي أو متعدد الجنسيات... نظرا لأن اللبنانيين لم يطرحوا مطالب تتوافق، على وجه الخصوص، مع المطالب الأميركية في مجلس الأمن، ولأننا ما زلنا بحاجة إلى وضع شروط هذا الوجود وتحديد تفويضه بوضوح تام".
مؤتمر باريس ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من مسار دولي جديد يهدف إلى تعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب، سواء بقيت قوات "اليونيفيل" فيه أو انسحبت.
السيناريوهات المطروحة لخلافة القوات الدولية تتراوح بين قوة أوروبية، أو قوة دولية جديدة، أو بعثة مدنية، أو انتشار لبناني كامل، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أن الجيش اللبناني سيكون محور المرحلة المقبلة، وأن مؤتمر باريس قد يكون الخطوة الأولى نحو هذا التحول.
وتتزايد المخاوف في لبنان من تجدد حملة عسكرية إسرائيلية بعد أيام من تصاعد الضربات رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في يونيو، والذي كان يهدف إلى وقف القتال بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله.





