في الوقت الذي تقوم فيه الحركة الكشفية في العالم على مبادئ التربية المدنية وخدمة المجتمع وتنمية شخصية الطفل، يظهر في لبنان نموذج مختلف تماماً هو كشافة الإمام المهدي، وهي منظمة تعمل تحت إشراف حزب الله، وتحوّل المخيمات الصيفية من مساحة للعب والتعلم إلى ساحات إعداد عقائدي وعسكري في سن مُبكر.
بدايات كشافة المهدي
تأسست كشافة المهدي في ثمانينيات القرن الفائت، وحصلت على العلم والخبر في لبنان، وانضمت إلى الاتحاد الكشفي اللبناني، وهو عضو مؤسس في الحركة الكشفية العالمية.
غير أن هذا الانتماء لا يعكس حقيقة برامجها، إذ إن نشاطها ينحرف جذرياً عن مبادئ الكشفية التي تقوم على الحياد السياسي وخدمة المجتمع واحترام التنوع ونبذ العنف.
تقديس "ولاية الفقيه"
تعتمد كشافة المهدي منهجاً يقوم على التعبئة العقائدية المبكرة، و"تمجيد الشهادة"، وتقديس "ولاية الفقيه"، وربط الطفل منذ سنواته الأولى بمشروع حزب الله العسكري والسياسي.
وتظهر المواد المنشورة على منصاتها أن الأطفال الصغار يشاركون في أنشطة كشفية تقليدية، لكن ذلك ليس سوى واجهة، إذ يتغير البرنامج مع تقدّم العمر ليشمل تدريبات على استخدام السلاح، ودروساً في ما يعتبرونه مقاومة وبذلا للذات، ورحلات إلى إيران للمشاركة في فعاليات سياسية ودينية، إضافة إلى احتفالات لتكريم الكشافة الذين التحقوا بصفوف الحزب وقُتلوا في المعارك.
كشافة المهدي تنشر بين الحين والآخر بيانات نعي لعدد من عناصرها الذين انتقلوا إلى صفوف حزب الله وقُتلوا في المعارك.

تناقض بين عقيدة كشافة المهدي ومبادئ الكشفية العالمية
يظهر التناقض واضحاً بين مبادئ الكشفية العالمية وعقيدة كشافة المهدي. فالكشفية العالمية تقوم على الحياد السياسي، بينما تقوم كشافة المهدي على التعبئة الحزبية.
كما تقوم الحياة الكشفية على مبدأ نبذ العنف، بينما تقوم كشافة المهدي على تمجيد السلاح. وتقوم الكشفية على خدمة المجتمع المدني، بينما تقوم كشافة المهدي على خدمة مشروع حزب الله.
وتقوم الكشفية على الانفتاح، بينما تقوم كشافة المهدي على الانغلاق العقائدي. وتقوم الكشفية على بناء شخصية الطفل، بينما تقوم كشافة المهدي على تشكيل الطفل المقاتل.

كشافة المهدي مرآة لطلاب الباسيج؟
من الناحية التاريخية، يمكن مقارنة كشافة المهدي بالباسيج الطالبي في إيران وبمنظمات تعبئة الأطفال السابقة في الأنظمة المتشددة مثل شباب هتلر في ألمانيا، والكومسومول في الاتحاد السوفياتي، وأشبال صدام في العراق.
فهذه المنظمات تشترك في تحويل الطفولة إلى مرحلة إعداد عقائدي، ودمج التدريب العسكري في البرامج التربوية، وخلق ولاء مطلق للزعيم أو العقيدة، واستخدام المخيمات الصيفية كأداة تعبئة، وإنتاج جيل رديف جاهز للقتال.
تحرير القدس تمهيدا لـ"عودة المهدي"
كشافة المهدي تستند في تعبئتها إلى عقيدة حزب الله التي تربط تحرير القدس بظهور المهدي المنتظر وفق ما يرد في أدبيات وخطابات عدد من رجال الدين المرتبطين بالحزب. وهذا الفكر هو ركيزة أيديولوجية في فكر الخميني وليست مجرد موقف سياسي عابر.
وتُقدَّم هذه الأفكار للأطفال من ضمن سردية "المقاومة الكونية"، وهو ما يجعل التدريب العسكري جزءاً من "واجب ديني" في نظرهم.
أسئلة تحتاج إلى إجابات
إن تحويل الأطفال إلى أدوات تعبئة عقائدية وعسكرية يطرح أسئلة خطيرة حول مستقبل لبنان. فكيف يمكن بناء دولة مدنية بينما يُربّى عشرات الآلاف من الأطفال فيه على الولاء لسلطة دينية خارج الحدود. وكيف يمكن الحديث عن نزع سلاح حزب الله بينما يستمر إنتاج الجيل الرديف عبر كشافة المهدي. وكيف يمكن للاتحاد الكشفي اللبناني أن يبرر عضوية منظمة تخالف كل مبادئ الكشفية العالمية؟





