تصاعدت في طهران مؤشرات إحكام "الحرس القديم" للمؤسسة الأمنية قبضته على مفاصل السلطة، عقب قرار إيران استبدال مستشارها الأعلى للأمن القومي بقائد عسكري مخضرم، في خطوة تمثل تمكيناً إضافياً لتيار الصقور والمحافظين التقليديين.
ووفقاً لما أعلنه متحدث باسم الرئيس الإيراني عبر منصات التواصل الاجتماعي سيتولى محسن رضائي، الذي قاد "الحرس الثوري الإيراني" خلال الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، منصب الأمين العام الجديد لمجلس الأمن القومي الأعلى. وكان رضائي يشغل حتى وقت قريب منصب مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي.
ويخلف رضائي في هذا المنصب محمد باقر ذو القدر، الذي كان قد تولى المسؤولية عقب مقتل الأمين السابق للمجلس، علي لاريجاني، في ضربة إسرائيلية خلال الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران في وقت سابق من هذا العام.
وأوضح سيد مهدي طباطبائي، المتحدث باسم الرئيس مسعود بزشكيان، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن ذو القدر قدّم استقالته ليتولى موقعاً جديداً، ليعين رضائي خلفاً له.
تمكين "الحرس القديم"
ويلعب مجلس الأمن القومي الأعلى، الذي يضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، دوراً حاسماً في رسم وصياغة السياسات الإيرانية المتعلقة بالصراع المستمر مع الولايات المتحدة. وكان المجلس قد وافق في يونيو الماضي على مذكرة تفاهم لإيقاف الحرب مؤقتاً، بيد أن هذا الاتفاق سرعان ما انهار جراء الخلافات المحتدمة بين طهران وواشنطن حول السيطرة على مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، أكد حميد رضا عزيزي، الخبير في الشؤون الأمنية الإيرانية والمقيم في برلين، أن تعيين رضائي يحمل دلالات بالغة الأهمية لعدة أسباب؛ أولها أنه يعكس اتجاهاً نحو ترسيخ نفوذ القيادات الأمنية المخضرمة وتجذير سلطتها، بدلاً من إفساح المجال لعملية انتقال سياسي نحو جيل أحدث من النخب السياسية.
ويُعد رضائي رقماً ثابتاً في أروقة القرار العسكري والسياسي الإيراني لأكثر من أربعة عقود، حيث خاض، إلى جانب أدواره العسكرية، سباق الانتخابات الرئاسية عدة مرات دون نجاح.
تعيين لمواجهة قاليباف؟
وأضاف عزيزي أن هذا التعيين يعكس أيضاً مسعى لإحداث توازن قوى مقابل محمد باقر قاليباف، الذي يتولى قيادة المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتحدة. ويُعتبر قاليباف، وهو قائد سابق آخر في الحرس الثوري ورئيس مجلس الشورى الحالي، مقرباً من ذو القدر.
ويرى عزيزي أن إعادة التشكيل في قمة مجلس الأمن القومي قد تمثل مناورة لتوازن القوى يقودها خامنئي "للوقوف بوجه التمدد المفرط لنفوذ قاليباف".
وكان قاليباف قد دافع في وقت سابق عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته إيران مع الولايات المتحدة في يونيو، رغم الهجمات الشرسة التي شنها التيار الأكثر راديكالية داخل البلاد ضد الاتفاق.
ويعني تعيين رضائي، بحسب عزيزي، أن "التيار الأكثر متشدداً داخل النظام بدأ يحكم قبضته ويحقق اليد العليا".
الكلمة الأخيرة للحرس
من جهته، رأى سعيد جولكار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تينيسي في تشاتانوغا والمتخصص في دراسة الأجهزة الأمنية الإيرانية، أن تعيين رضائي يشكل مؤشراً إضافياً على أن الحرس الثوري هو من يمسك بزمام القرارات المصيرية داخل إيران.
ولكن من وجهة نظر جولكار، فإن هذا التغيير لا يعني بالضرورة أن التوجهات المستقبلية ستكون أكثر راديكالية أو حتى أكثر براغماتية؛ بل إن المرجح، وفق تقديره، هو وقوع صدام مستقبلي بين رضائي وقاليباف بسبب الطموحات السياسية لكليهما، إذ سبق لقاليباف أيضاً الترشح للرئاسة مراراً.
وعلق جولكار قائلاً: "هذه التركيبة لن تنجح، فالجميع يرغب في أن يكون المتبوع لا التابع".
ورسمياً، يتولى رئيس الجمهورية تعيين الأمين العام لمجلس الأمن القومي؛ غير أن القرار الفعلي في شغل هذا المنصب السيادي يبقى حصرياً بيد المرشد الأعلى، بحسب جولكار.
تقييد لسلطات بزشكيان؟
وفي سياق متصل، ظهر رجل الدين المتشدد محمد باقر الخرازي، وهو صهر لأسرة خامنئي، في مقطع فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع الأسبوع الماضي، متوقعاً هذا التعيين واضعا إياه في سياق جهود تهدف إلى تقييد سلطات الرئيس بزشكيان.
ويواجه بزشكيان ووزير خارجيته، عباس عراقجي، هجوماً ضارياً من المتشددين على خلفية مساعيهما الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.
وبحسب رواية الخرازي، فإن بزشكيان لوّح بالاستقالة مراراً لفرض شروطه، مما أثار حفيظة المرشد الذي حذره بدوره من أنه سيقبل استقالته في المرة القادمة.
وأشار الخرازي إلى أنه ولغرض إحكام الرقابة على الرئيس، عمل المرشد الأعلى على تعديل تركيبة مجلس الأمن القومي عبر "إزاحة ذو القدر وتعيين رضائي مكانه".
وأصدر مكتب خامنئي بياناً ينفي فيه هذه الرواية جملة وتفصيلاً دون التسمية الصريحة للخرازي، كما نفى مكتب بزشكيان صحة تلك الادعاءات.





