لم تعد صورة الطيار المقاتل وهو يناور بطائرته في مواجهة خصم جوي آخر تختصر مستقبل الحرب في السماء.
مع دخول الطائرات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الشبحية إلى قلب سباق التسلح، تتجه القوى العسكرية نحو عصر تصبح فيه الطائرة المقاتلة مركزا لشبكة من المسيرات والأسلحة وأجهزة الاستشعار، بدلا من كونها سلاحا منفردا.
تقول فايننشال تايمز إن العروض التي شهدها معرض فارنبورو للطيران في بريطانيا كشفت بوضوح عن هذا التحول، مع بروز طائرات غير مأهولة تحمل أسماء مثل Ghost Bat وValkyrie وRavenstorm.
من Top Gun إلى الطيار كقائد للمعركة
في فيلم توب غان الشهير، كان التفوق الجوي يعتمد على مهارة الطيار وسرعة المقاتلة وقدرتها على المناورة. أما في الجيل المقبل، فقد يصبح الطيار أقل انشغالا بقيادة الطائرة وأكثر انشغالا بإدارة المعركة من داخلها.
يقول بيتر نيلسون، الطيار المقاتل السابق والمسؤول عن البرامج المتقدمة في شركة Saab السويدية، إن الطيار الذي كان يجلس خلف المقود ويمسك بالسلاح سيصبح أقرب إلى "قائد للمهمة".
هذا التحول يرتبط بتطور الطائرات المقاتلة من الجيل السادس، التي يجري تصميمها لتجمع بين التخفي والمدى الطويل والقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، إلى جانب السرعة والقوة النارية.
فيما أوضح إليوت بنس، الرئيس التنفيذي لشركة Dominion Dynamics الكندية، أن المقاتلة المستقبلية يجب أن تكون قادرة على التخفي بما يكفي للبقاء، والتحليق لمسافات بعيدة، وفهم ساحة المعركة عبر شبكة واسعة من أجهزة الاستشعار، ثم توجيه طائرات وأسلحة أقل تكلفة لتنفيذ المهام.
"الخفافيش الشبحية" تدخل المعركة
لكن التغيير الأكبر قد لا يكون في الطائرات التي يقودها البشر، بل في الطائرات التي ستطير إلى جانبها.
فطائرات مثل Ghost Bat وValkyrie وBrontanax ليست مسيرات رخيصة تستخدم للاستطلاع أو لتنفيذ هجمات محدودة، بل طائرات قتالية كبيرة ومكلفة، قادرة على حمل أسلحة متطورة والعمل بشكل مستقل أو بالتنسيق مع المقاتلات المأهولة.
فقد كشف تشارلز وودبرن، الرئيس التنفيذي لشركة BAE Systems، أن هذه الطائرات يمكن أن تستخدم في مجموعة واسعة من المهام، بما فيها القيام بدوريات مستمرة في السماء واعتراض المسيرات المعادية فور اكتشافها، لأنها ستكون موجودة بالفعل في الجو.
وفي بريطانيا، وصف قائد سلاح الجو السير هارف سميث طائرة Brontanax بأنها تمثل "تحولا ذا مغزى نحو القوة الجوية من الجيل السادس"، مشيرا إلى أنها مصممة للعمل بشكل متكامل مع الطائرات المأهولة.
أما الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار فسيصبحان جزءا مركزيا من هذه المنظومة. فمقاتلات مثل F-35 تعمل بالفعل كمراكز طائرة لجمع المعلومات، من خلال الرادارات والكاميرات الحرارية وأنظمة التعرف البصري، لكن الجيل السادس يتوقع أن يحقق قفزة أكبر في جمع البيانات وتحليلها وتوزيعها على بقية القوات.
مع ذلك، يحذر خبراء من أن هذه الطائرات لن تكون بديلا رخيصا عن القوات الجوية التقليدية. ويقدر دوغلاس باري من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن تكلفة المقاتلة الأميركية المستقبلية F-47 قد تصل إلى ما بين 200 و300 مليون دولار للطائرة الواحدة، بينما قد تكلف الطائرات القتالية الذاتية المتقدمة بين 20 و40 مليون دولار.
سباق جديد يعيد رسم خريطة القوة الجوية
تفتح التكنولوجيا الجديدة في الوقت نفسه سباقا استراتيجيا بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا. فالولايات المتحدة تطور F-47 ضمن برنامجها للسيادة الجوية من الجيل المقبل، بينما يعتقد خبراء غربيون أن الصين تطور مقاتلة من الجيل السادس تعرف باسم J-36.
لكن ارتفاع التكلفة يضع القوى المتوسطة أمام معضلة صعبة. ويشير باري إلى أن دولتين فقط، الولايات المتحدة والصين، قد تتمكنان من تحمل كلفة امتلاك أساطيل كبيرة من الطائرات القتالية الذاتية المتقدمة.
ولهذا تتجه دول أوروبية إلى بناء تحالفات لتقاسم تكاليف التطوير. تعمل بريطانيا وإيطاليا واليابان على برنامج Global Combat Air Programme لتطوير مقاتلة جديدة، بينما تواجه فرنسا وألمانيا وإسبانيا أزمة بعد انهيار التعاون في مشروع Future Combat Air System.
دعا إيريك ترابيي، الرئيس التنفيذي لشركة Dassault Aviation، إلى التحرك بسرعة، محذرا من أن عدم تطوير أوروبا لطائراتها المستقبلية سيعني في النهاية "فرض تطورات أميركية عليها".
لكن مستقبل الحرب الجوية لن يكون بالضرورة حربا بين أسراب من المقاتلات الشبحية. يحذر جاستن برونك، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، من أن الطائرات القتالية غير المأهولة ستكون مكلفة من حيث الشراء والتطوير والتشغيل، وبالتالي لن توفر بالضرورة "كتلة قتالية مجانية".
في المقابل، يرى هولغر نيومان، قائد القوات الجوية الألمانية، أن الإنسان سيظل في قلب عملية اتخاذ القرار، خصوصا عندما تنقطع الاتصالات أو تتعطل الأقمار الصناعية، مشيرا إلى أن الآلات تتفوق على البشر في مقارنة كميات ضخمة من البيانات، لكن الحدس والسيطرة على التصعيد ومعرفة متى يجب التصعيد أو التراجع تظل قدرات بشرية.
وربما تختصر تصريحات ترابيي مستقبل الحرب الجوية بأفضل صورة: قد تتغير الطائرات، وتدخل المسيرات والخوارزميات إلى المعركة، لكن الإنسان "سيظل الطيار" في قلب دورة القتال.





