منذ الرابع من أغسطس 2020، تاريخ الانفجار الذي دمّر مرفأ بيروت وأودى بحياة أكثر من مئتي شخص، ما زال اللبنانيون ينتظرون صدور القرار الذي يُفترض أن يحدّد المسؤوليات ويُحيل المتهمين على المحاكمة أمام المجلس العدلي.
ورغم مرور ٦ أعوام على الكارثة، بقي هذا القرار معلّقاً، ليس بسبب نقص الأدلة أو غياب المعطيات، بل نتيجة مسار طويل من التعطيل السياسي والقضائي، شارك فيه نواب ووزراء ومسؤولون أمنيون، وصولا إلى خلاف غير مسبوق بين المحقق العدلي طارق البيطار والنائب العام التمييزي السابق غسان عويدات، بلغ حدّ الادعاء المتبادل بينهما.

قرار ظني أم اتهامي؟
في خضم هذا التعطيل، شاع في الإعلام استخدام مصطلح "القرار الظني"، بينما المصطلح القانوني الصحيح في هذه القضية هو القرار الاتهامي، لأن الملف محال على المجلس العدلي الذي لا توجد فيه هيئة اتهامية، ولأن المحقق العدلي يحلّ محلّها ويصدر الاتهام مباشرة من دون وجود مرحلة مراجعة أو استئناف لقراره أمام هيئة أعلى كما هو الحال في القضايا الجنائية العادية.
وعادة يصدر قاضي التحقيق قرارا ظنيا ويمكن استئنافه أمام الهيئة الاتهامية، قبل إحالة الملف على محكمة الجنايات، ولكن في القضايا المحالة على المجلس العدلي لا يخضع قراره لأي مراجعة قبل إحالة الملف على المجلس العدلي.

بداية التعطيل
بدأ التعطيل الفعلي في ٢٧ سبتمبر 2021، حين تقدّم وزير المالية الأسبق علي حسن خليل (حركة أمل)، الذي كان لديه سلطة على الجمارك، بدعوى "نقل الدعوى للارتياب المشروع"، وهو ما أدى إلى وقف التحقيق تلقائياً، وفق أحكام القانون. وبعد أيام قليلة، في الأول من نوفمبر، قدّم وزير الأشغال الأسبق، المحسوب على حركة أمل أيضا، غازي زعيتر دعوى مماثلة، تبعتها سلسلة من طلبات الردّ التي منعت المحقق العدلي القاضي طارق البيطار من عقد أي جلسة استجواب طوال أسابيع. لم يكن الأمر مجرد اعتراض قانوني، بل تحوّل إلى نهج متواصل، إذ تكررت الدعاوى في شهري أكتوبر ونوفمبر، ما جعل التحقيق يتوقف كلما حاول البيطار اتخاذ خطوة جديدة.

وزير ثالث يخاصم الدولة
في الحادي عشر من أكتوبر 2021، دخل الوزير الأسبق نهاد المشنوق على خط التعطيل، مقدّماً دعوى "مخاصمة الدولة عن أعمال القضاة"، وهي دعوى تشلّ يد القاضي تلقائياً إلى حين البتّ بها. تكررت دعاوى المشنوق في نوفمبر وديسمبر من العام ذاته، ما أدى إلى تعطيل التحقيق لأكثر من شهرين متتاليين.
وزير رابع على خط التعطيل
في العشرين من أكتوبر، قدّم وزير الأشغال الأسبق يوسف فنيانوس دعوى ردّ، تبعتها دعاوى إضافية، فأُوقف التحقيق مجدداً.
مديرا جهازين أمنيين "يتحصنان بالوظيفية"
مع بداية العام 2022، تقدّم وكلاء المدير العام الأسبق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم والمدير العام السابق لأمن الدولة اللواء طوني صليبا بطلبات تمنع استجوابهما، وتذرعا بالحصانة الوظيفية، ما أوقف جلسات الاستماع التي كان البيطار يعتزم عقدها.
هذه الدعاوى، التي تجاوز عددها الأربعين، لم تكن مجرد اعتراضات قانونية، بل شكّلت مساراً منظّماً لتعطيل التحقيق كلما حاول البيطار الاقتراب من مرحلة القرار الاتهامي. ومع مرور الوقت، أصبح واضحاً أن الهدف لم يكن مناقشة قانونية، بل منع المحقق العدلي من الوصول إلى تحديد المسؤوليات في واحدة من أكبر الكوارث التي شهدها لبنان.

"اشتباك قضائي" غير مسبوق
بلغ التعطيل ذروته في يناير 2023، حين انفجر خلاف قضائي علني بين المحقق العدلي والنائب العام التمييزي السابق القاضي غسان عويدات. ففي الثالث والعشرين من ذلك الشهر، أعلن البيطار معاودة عمله "استناداً إلى اجتهاد قانوني"، ووجّه استدعاءات جديدة لعدد من المسؤولين.
في اليوم التالي، أصدر عويدات قراراً بكفّ يد البيطار، معتبراً أنه تجاوز صلاحياته، وأمر بإطلاق سراح جميع الموقوفين في القضية.
ردّ البيطار فوراً بإصدار ادعاء على عويدات نفسه بجرم "اغتصاب السلطة"، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ القضاء اللبناني. لم يتأخر عويدات في الردّ، فاتهم البيطار بـ"التمرد على السلطة القضائية" ومنعه من ممارسة أي عمل. هذا "الاشتباك القضائي" العلني أدّى إلى شلل كامل في الملف، إذ لم يعد أي قاضٍ قادراً على متابعة التحقيق وسط تضارب الصلاحيات.
"لا محاكمة"
حتى لو صدر القرار الاتهامي المنتظر، فإن المحاكمة يجب أن تتم أمام المجلس العدلي. لكن المجلس بقي عاجزاً عن الانعقاد بسبب عدم اكتمال النصاب والخلافات في شأن التعيينات، ما يعني أن صدور القرار الاتهامي لن يؤدي إلى محاكمة فعلية في ظل غياب المحكمة المختصة. كما أن عدداً من الإدارات الرسمية لم يسلّم الوثائق المطلوبة كاملة أو سلّمها بعد تأخير طويل، وهو ما يعيق استكمال التحقيقات التقنية والإدارية.
هذا الغياب الفعلي للمجلس العدلي جعل التحقيق في حال من الشلل المزدوج: فالمحقق العدلي عاجز عن إصدار القرار الاتهامي بسبب الدعاوى
والمجلس العدلي عاجز عن المحاكمة، حتى لو صدر القرار الاتهامي المنشود.
تحقيق متوقف أم معطّل؟
الوقائع بالأسماء والتواريخ تُظهر أن التحقيق في انفجار المرفأ لم يتوقف بسبب نقص الأدلة، بل بسبب سلسلة طويلة من الدعاوى والضغوط السياسية والخلافات القضائية والفراغ القانوني في تنظيم عمل المحقق العدلي. ومع مرور الأعوام، لا يزال القرار الاتهامي المنشود معلّقاً، في وقت ينتظر أهالي الضحايا الحقيقة، في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث.





