نجحت الأجهزة الأمنية اللبنانية في فك رموز جريمة سرقة غامضة، تكشفت من خلالها خيوط مؤامرة إرهابية عابرة للحدود، بعدما أقدم شاب لبناني على سرقة مبلغ مالي كبير من خزنة والده، للمساهمة في تمويل تنظيم "داعش" في سوريا.

فصول هذه القضية بدأت عندما تقدّم والد الشاب بشكوى رسمية، معلنًا عن اختفاء مبلغ 400 ألف دولار أميركي من داخل خزنة منزله، لتتولى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي التحقيق في الحادثة، حيث قادت الأدلة والتحريات السريعة إلى الاشتباه بالابن وتوقيفه على الفور. القوى الأمنية لم تكشف عن اسم الشاب الموقوف، لكن عُلم أنّه يقيم في بيروت.

سرق والده لتمويل "داعش"

المفاجأة لم تقف عند حدود تورط الابن في سرقة عائلته، بل تجسدت الصدمة الكبرى أثناء إخضاعه للتحقيقات، حين اعترف الشاب صراحة بأنّه لم يقم بتبديد هذه الثروة على ملذاته الشخصية أو حاجاته الخاصة، إنما قام بتحويل المبلغ كاملًا إلى داخل الأراضي السورية لصالح خلايا تابعة لتنظيم "داعش" الإرهابي، مستخدمًا قنوات مالية غير شرعية لدعم الأنشطة المسلحة للتنظيم.

ما هي العقوبات التي تنتظر الشاب الموقوف؟

مصدر قضائي أوضح لبلينكس أنّ الأفعال المنسوبة إلى الشاب اللبناني الموقوف تخضع مباشرة لأحكام المادة 316 مكرّر من قانون العقوبات اللبناني، المعدّلة بموجب القانون الرقم 77 تاريخ 27/10/2016، والتي تُجرّم كل عمل يتعلق بتمويل الإرهاب أو تقديم أي منفعة لتنظيمات إرهابية، مباشرة أو غير مباشرة، وبأي وسيلة كانت.

وتنصّ المادة صراحة على أنّ مرتكبي هذه الأفعال يُعاقَبون بالأشغال الشاقة الموقتة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات، إضافة إلى غرامة مالية لا تقل عن مثل المبلغ المدفوع ولا تزيد عن ثلاثة أمثال.

وتنطبق على الأفعال الجرمية التي قام بها الشاب المواد الواردة في المواد ٢١٢ إلى ٢٢٢ عقوبات، والتي تجرّم كلّ من يشترك أو يتدخل أو يسهم في أعمال جرمية وهو ما يُشدّد العقوبة بحق الشاب اللبناني الموقوف، لأنّه أسهم في دعم تنظيم مصنّف دوليا بأنه إرهابي.

ويلفت المصدر القضائي إلى أنّ اجتماع جرائم تمويل الإرهاب مع التعامل مع تنظيم إرهابي، واستخدام قنوات مالية غير شرعية يجعل الشاب عرضة لعقوبات مشدّدة أمام المحكمة العسكرية الدائمة، مع إمكان مصادرة الأموال التي استُخدمت في الجرم.

خلية من داخل سجن القبة

نتائج توقيف الشاب اللبناني لم تقتصر على استعادة جزء من الحقيقة، بل أدّت اعترافات الابن إلى فتح صندوق أسود أمني، مكّن قوى الأمن الداخلي من وضع يدها على شبكة تمويل أوسع وأكثر تعقيدًا، حيث تبين أنّ الموقوف كان على تنسيق مستمرّ مع خلية تضم أربعة سجناء يُنفّذون أحكاما، داخل سجن القبة في مدينة طرابلس شمال لبنان، إلى جانب أفراد آخرين يُرجح فرارهم إلى سوريا، كانوا يعملون معًا على إدارة أموال التنظيم والتخطيط لعمليات إرهابية متبادلة بين البلدين.

مصدر مطّلع على التحقيقات كشف لبلينكس أنّ الرأس المدبر لهذه الخلية هو السجين ع. ب الذي ينفّذ ثلاثة أحكام سابقة بجرم الانتماء إلى تنظيم إرهابي ويتعامل مع "داعش" داخل سوريا، تمت مصادرة هاتفه الجوال وهواتف عدد آخر من المتعاونين معه داخل السجن وخارجه.

من هو ع. ب؟

ع. ب من مواليد طرابلس، شمال لبنان، وأصل تسمية عائلته عثمانية وتعني كبير التجار.

وهو ملقّب بـ"حفيد البغدادي" كان قريبا من قيادات الصف الأول في الجماعات المتشددة. أسس صفحتين على موقعي "إكس" و"فايسبوك" وكان يهاجم عبرهما شخصيات ويُكفّر كل من يخالفه الرأي. وتشير المعلومات الي أنه تعرّف من خلال نشاطه الي عدد من قيادات تنظيم "داعش" الذين طلبوا منه الانتقال الي القلمون السورية، فانتقل إليها وخضع لدورات تدريبية على استخدام السلاح، وعمل كناطق إعلامي لمجوعة التنظيم هناك، حيث كان يهتم بنشر البيانات الصادرة عن داعش.

كيف سقط ع. ب في قبضة مخابرات الجيش؟

كشف مصدر عسكري لبلينكس أن مخابرات الجيش بدأت ترصد تحركاته، بعدما تواصل عبر صفحة جو قهوجي، على مواقع التواصل الاجتماعي، ابن قائد الجيش اللبناني الأسبق العماد جان قهوجي، وقام بتوجيه تهديدات له ولوالده. وعقب اندلاع معركة القلمون حاول التسلل إلى عرسال فأوقفته دورية للمخابرات في بلدة اللبوة، في البقاع الشمالي، حيث كانت تتعقب مسار هاتفه الخلوي، لحظة بلحظة.

Image 1

النشرة القضائية لـ ع. ب

مصدر قضائي أوضح لبلينكس أن ع. ب، القابع في سجن القبة، يواجه ثلاثة أحكام قضائية صادرة بحقه عن المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان، وجميعها تجرّمه بالانتماء إلى تنظيم "داعش" الإرهابي والتخطيط وتنفيذ أعمال تخريبية.

شملت ملفاته المرفوعة أمام القضاء العسكري تهما بالاشتراك مع مجموعات مسلحة في تصنيع عبوات ناسفة وزرعها في أماكن مختلفة في طرابلس، لاستهداف دوريات الجيش اللبناني وقوات الأمن الداخلي.

شارك أيضا في مواجهات عرسال ضد عناصر الجيش اللبناني وبايع المجموعات الإرهابية التي اقتحمت البلدة في الثاني من أغسطس ٢٠١٤ وهو ما عُرف وقتها بـ"غزوة عرسال الثانية".

تعاون أمني لبناني سوري

الضربة الأمنية الاستباقية الأخيرة في لبنان ضد خلايا "داعش" أظهرت مدى التعاون الأمني المشترك بين لبنان وسوريا والسعي إلى تجفيف منابع تمويل الإرهاب. سبق ذلك سلسلة عمليات أمنية تضمنت توقيف قيادات بارزة في التنظيم كانت تدير العمليات في مناطق جنوب ووسط سوريا.