أثار تحليل نشره مؤخرا "المعهد الملكي للشؤون الدولية" (تشاتام هاوس)، البريطاني، أسئلة رئيسية على خلفية تطور الصراع بين أميركا وإيران بالمنطقة، وتداعياته على حركة التجارة البحرية العالمية، في ظل إغلاق مضيق هرمز، وإعاقة الصادرات النفطية إلى آسيا عبر مضيق باب المندب بعد دخول الحوثيين الصراع وامتداده إلى البحر الأحمر.
هذه التطورات تنذر بدخول الأزمة مرحلة جديدة خطيرة، بعد تقارير أفادت عن هجمات استهدفت سفنا في البحر الأحمر، وهو أمر من شأنه أن يؤدي عمليا إلى إغلاق مضيق باب المندب وقناة السويس، أي إغلاق طرفي البحر الأحمر، ليواجه العالم الآن أزمة تتعلق بثلاثة ممرات بحرية استراتيجية (نقاط اختناق).
في التحليل يتساءل كل من الباحثة نيتيا لاب- وهي زميلة في أكاديمية شوارزمان، برنامج الأمن الدولي- والباحث فاريا المُسلمي، لدى برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمعهد تشاتام هاوس: هل يستطيع النظام الدولي حماية التجارة؟ وإلى أي مدى مستعدة الدول لتحمل الاضطرابات الاقتصادية قبل اللجوء إلى التصعيد العسكري؟
تكلفة أكبر من المكاسب؟
وفي المقابل، سوف يتعين على إيران والحوثيين أن يقرروا عند أي نقطة تصبح الكلفة السياسية والعسكرية لمواصلة تعطيل الملاحة أكبر من المكاسب الاستراتيجية التي يحققونها.
وبحسب التحليل، يمكن النظر إلى عودة إيران للتصعيد في مضيق هرمز كمقامرة محسوبة، حيث إن إغلاق المضيق واستمرار الضربات العسكرية يهدفان إلى رفع كلفة المواجهة بما يكفي لدفع واشنطن إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أوسع. وبعبارة أخرى، تقوم استراتيجية طهران على مبدأ "التصعيد من أجل خفض التصعيد".
ومن هذا المنطلق، "يخدم انخراط الحوثيين المصالح الإيرانية عبر تعزيز الضغوط، كما يسهم في إرباك أسواق النفط، وتنويع أدوات الضغط التي تمتلكها طهران مع منحها قدرا من الإنكار المقبول لمسؤوليتها المباشرة، فضلا عن تخفيف الضغط على جبهة مضيق هرمز".
ويرى الباحثان أن منطق واشنطن يكاد يكون صورة طبق الأصل للمنطق الإيراني.
وتسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى استعادة قوة الردع عبر ممارسة ضغط عسكري ساحق، مع تجنب الانزلاق إلى صراع جديد مفتوح الأمد في الشرق الأوسط.
ورغم أن الحوثيين مندمجون بعمق في ما يُعرف بـ"محور إيران" ويعتمدون على المساعدات العسكرية الإيرانية، "فإنهم يحتفظون بهامش كبير من الاستقلالية، وتتداخل مصالحهم في كثير من الأحيان مع مصالح طهران، لكنها لا تتطابق معها دائما"، بحسب التقرير.
طموح الحوثي.. أنا حزب الله الجديد
وبالنسبة للحوثيين، فإن تعطيل الملاحة في البحر الأحمر يخدم عدة أهداف إلى جانب دعم إيران، "فهو يمنحهم ورقة ضغط على المجتمع الدولي".
كما أن التصعيد الحالي "يعزز الطموحات الإقليمية للحوثيين، فهم يسعون إلى إحياء خارطة الطريق السياسية التي جرى تعليقها أواخر عام 2023".
وعلى نطاق أوسع، يبدو أن الحوثيين يطمحون إلى ترسيخ مكانتهم بوصفهم أبرز أعضاء "المحور"، بعد تراجع نفوذ حزب الله في لبنان.
ما هي خيارات الرد؟
أشار المُسلمي ولاب إلى أن تداعيات الإغلاق المتزامن للممرات البحرية الاستراتيجية تتجاوز بكثير حدود الشرق الأوسط، فقد تتحمل الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الواردات، مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية، تكاليف اقتصادية كبيرة إذا طال أمد تعطل الملاحة في كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، "ربما يكون الحوثيون قللوا من تقدير تداعيات أفعالهم. فمع تزايد الخسائر التجارية، من المرجح أن تتصاعد الضغوط من أجل تنسيق استجابات دبلوماسية وأمنية مشتركة ضدهم".
وثمة مؤشرات على أن بعض الدول والشركات الخاصة سعت إلى التوصل إلى تفاهمات مؤقتة مع طهران لتأمين العبور عبر مضيق هرمز، ولكن مثل هذه الترتيبات قد تقلل المخاطر المباشرة على أطراف بعينها، ولكنها "تضعف الأمن البحري الجماعي، لأنها تكافئ استخدام الإكراه كوسيلة لتحقيق المكاسب"، بحسب التحليل.
ورغم ذلك، لا تزال أمام صناع السياسات خيارات متاحة لدعم الأمن والاستقرار في هذه الممرات البحرية. ففي أبريل الماضي، اقترحت بريطانيا وفرنسا تشكيل تحالف يضم 40 دولة للمساعدة في حماية حركة العبور عبر مضيق هرمز مستقبلا. وقد تمركزت السفن المشاركة في هذا الجهد، واستعدت لتنفيذ مهامها خلال الأشهر القليلة الماضية.
وبالمثل، تواصل عملية "أسبيدس" التابعة للقوة البحرية للاتحاد الأوروبي، إلى جانب عملية "أتالانتا"، العمل منذ سنوات في منطقة الخليج والبحر الأحمر لدعم حماية حركة الملاحة.
وتوفر هذه الجهود متعددة الجنسيات آليات يمكن من خلالها الدفاع بصورة جماعية عن حرية الملاحة. وحال أخفقت الحكومات في استعادة الثقة، من المرجح أن تضطلع شركات الأمن البحري الخاصة بدور أكبر في مرافقة السفن التجارية، ولكن تنامي دور الشركات قد يزيد من تعقيد ترتيبات القيادة والسيطرة في البحر، ويرفع تحديات التنسيق بين القوات البحرية الوطنية، ويجعل مسألة تحديد المسؤولية أكثر غموضا حال وقوع أي حادث مستقبلي.





