سنت السلطات الإسرائيلية مجموعة واسعة من الإجراءات لاحتواء ما تصفه بجهود التجنيد المكثفة عبر الإنترنت التي يقودها عملاء استخبارات إيرانيون.

وفي خطوة غير تقليدية، وجّه حاخام رسالة مفاجئة لأتباعه في إسرائيل؛ فبدلاً من إلقاء درس ديني من التوراة، ظهر في مقطع فيديو واسع الانتشار ليحثهم على تجنب الوقوع في فخ التجسس لصالح إيران.

وأكد الحاخام يغال كوهين، عضو مجلس الحاخامية الكبرى في إسرائيل والذي يتمتع بحضور قوي على منصات التواصل الاجتماعي أن مسؤولي الأمن الإسرائيليين تواصلوا معه وطلبوا منه تحذير مستمعيه من أن عملاء إيرانيين يقومون بتجنيد أشخاص داخل إسرائيل عبر الإنترنت، ويحثونهم على تصوير مواقع حساسة، وشراء أسلحة وتخزينها، بل وتصل التكليفات أحياناً إلى حد تنفيذ عمليات اغتيال.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

اتساع رقعة الاختراق الأمني

تأتي الاستعانة بالحاخام كوهين وشخصيات دينية أخرى كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لمواجهة أساليب طهران المستحدثة.

ووفقاً للشرطة والادعاء العام الإسرائيلي، قدمت النيابة العامة خلال الأشهر الأخيرة لوائح اتهام ضد جنود ومدنيين، متدينين وعلمانيين، حيث بلغ إجمالي القضايا المرفوعة أكثر من 60 قضية.

وفي بيان صدر أواخر الشهر الماضي، أفاد المحقق في الشرطة الإسرائيلية، أميشاي بانيتا، بأنه "تم الكشف عن عدد من المشتبه بهم بالتجسس"، مشيراً إلى أن "بعضهم نفذ تلك الأعمال في وقت الحرب وساعد العدو على تحقيق مخططاته على الأراضي الإسرائيلية".

ومن بين أحدث المشتبه بهم، مواطن أميركي اعتُقل في 9 يونيو الماضي أثناء دراسته في معهد ديني للمتدينين المتزمتين (الحريديم) بالقدس.

ويواجه اتهامات بالتواصل مع عميل استخبارات إيراني والإضرار بأمن الدولة بعد تصوير مواقع حساسة مقابل مبالغ مالية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من "التلغرام" إلى المهام الصعبة

وفقاً للشرطة الإسرائيلية، ركزت إيران على تجنيد "هواة" من المستويات المنخفضة منذ الهجوم الذي قادته حماس في أكتوبر 2023، وصعّدت هذه الجهود بعد الضربة الهجومية الإسرائيلية الأولى ضد إيران في يونيو 2025.

وتشير التحقيقات إلى أن العملاء الإيرانيين يلقون بشباكهم عبر تطبيق "تلغرام" باستخدام أسماء مستعارة، ويعرضون في البداية أموالاً سهلة مقابل مهام بسيطة مثل التقاط صور أو مقاطع فيديو للأحياء السكنية.

وتتطور الطلبات تدريجياً لتشمل جمع معلومات عن البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.

وفيما تخضع بعض هذه القضايا لأوامر حظر النشر وتُعقد جلساتها خلف أبواب مغلقة، كشفت مراجعة للملفات القضائية أن المجندين ينتمون إلى مختلف أطياف المجتمع الإسرائيلي، وغالبيتهم من الذكور، ومن بينهم مهاجرون من الاتحاد السوفيتي السابق، وجنود حاليون وسابقون، بالإضافة إلى تسع حالات على الأقل من مجتمع "الحريديم".

ورغم أن معظم رجال الحريديم يرفضون الخدمة العسكرية، إلا أن الكثير منهم انخرطوا في مظاهر التحديث ويستخدمون الهواتف الذكية التي تتيح لهم الولوج إلى الإنترنت.

وفي هذا الصدد، انضم إسرائيل كوهين، وهو معلق بارز ومؤثر في أوساط الحريديم، إلى الحملة الأمنية؛ حيث بث تحذيرات عبر برنامجه الإذاعي وقام بالتنسيق بين مسؤولين أمنيين وعدة حاخامات وصناع رأي في المجتمع المتدين، مؤكداً أن الشارع الحريدي صُدم في البداية من هذه الأنباء، لكنه سرعان ما "أدرك ضرورة التحذير من الخطر ووقفه".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

استراتيجية "الصيد العشوائي"

يرى خبراء ومسؤولون أمنيون إسرائيليون أن العمليات الإيرانية منخفضة المستوى لا تشابه الأساليب التجسسية المعقدة التي تستخدمها الاستخبارات الإسرائيلية، بل تعتمد بشكل أكبر على حملات "الصيد العشوائي" الواسعة والرهان على الحظ.

وعلى سبيل المثال، تلقت آلاف الهواتف الإسرائيلية في إحدى ليالي شهر مايو رسائل نصية قصيرة تدعوهم "للتعاون في مجال الاستخبارات" عبر الاتصال بسفارة إيرانية في الخارج أو بمسؤول سيبراني.

ويعلق شالوم بن حنان، المسؤول السابق في جهاز الأمن العام (الشاباك)، قائلاً: "تتلقى زوجتي رسالة نصية كل يومين تدعي أنها من الاستخبارات الإيرانية وتعد بمكافأة كبيرة. من بين آلاف المحاولات، إذا نجحت إيران في تجنيد شخص أو شخصين، فإن ذلك يعد نجاحاً بالنسبة لهم".

ورغم عدم وضوح حجم الضرر الفعلي الذي أحدثته هذه الجهود الإيرانية مقارنة بالضربات الاستخباراتية الإسرائيلية المؤثرة ضد طهران، إلا أن السلطات الإسرائيلية تتعامل مع الأمر بجدية بالغة.

ففي أبريل، اعتقل الشاباك والشرطة شاباً (22 عاماً) من حيفا بتهمة تصنيع متفجرات كجزء من مخطط لاغتيال شخصية سياسية إسرائيلية بارزة وتصوير ميناء حيفا ومواقع سقوط الصواريخ الإيرانية.

وفي قضية أخرى أثارت قلقاً واسعاً، اتُّهم جندي احتياط من القدس، كان يعمل في وحدة الدفاع الجوي "القبة الحديدية"، بتزويد مشغّله الإيراني بمواقع بطاريات المنظومة وسبع قواعد جوية على الأقل، بجانب صور ومقاطع فيديو لإجراءات التشغيل.

كما اعتقل الجيش مجندين إسرائيليين يعملان فنيين في سلاح الجو للاشتباه في تواصلهما مع عميل إيراني عبر تلغرام لمدة عام، ووجهت لهما تهمة "مساعدة العدو".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الـ AI ووحدة 8200 المزيفة.. إيران وقعت في الفخ؟

وتظل القضية الأكثر إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بطالب علوم حاسوب من مجتمع الحريديم يُدعى مئير ناحوم (24 عاماً)، من مستوطنة "بيتار إيليت". ووفقاً للائحة الاتهام، انتحل ناحوم، بمساعدة شقيقه الأكبر واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، صفة ضابط في وحدة الاستخبارات العسكرية النخبوية "8200".

وتشير وثائق المحكمة إلى أن ناحوم تواصل مع العميل الإيراني في أغسطس عبر تلغرام، وأنشأ حساباً وهمياً لضابط في الوحدة 8200. وعندما سأله المشغّل الإيراني عما إذا كانت إسرائيل متورطة في حادث تحطم مروحية الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي عام 2024، أجاب ناحوم بالإيجاب، واستخدم برنامج "ChatGPT" لتزوير وثيقة عسكرية تحمل شعار الوحدة 8200 لتدعيم روايته.

وفي ديسمبر، عندما طلب العميل أسماء إيرانيين يتعاونون مع إسرائيل، زود الأخوان المشغّل ببيانات مواطن إيراني عشوائي، وزعما أنه عمل كراصد لصالح ضربة إسرائيلية أسفرت عن مقتل قياديين عسكريين إيرانيين في يونيو الماضي. وتبيّن لاحقاً من المراسلات التي ضبطتها السلطات الإسرائيلية أن الجانب الإيراني استجوب المواطن المذكور ثم أطلق سراحه بعد تبرئته.

وأوقف الشقيقان في يناير وتلقيا اتهامات رسمية في مارس، وتفيد الشرطة بأنهما حصلا على نحو 100 ألف شيكل (أكثر من 35 ألف دولار) بالعملات الرقمية. وقال محقق الشرطة في القضية، روعي غافرييلي: "كان دافعهما الوحيد هو المال"، مضيفاً أنه "من غير الواضح ما إذا كانت الاستخبارات الإيرانية قد انطلت عليها الخدعة، لكن ادعاء تورط إسرائيل في مقتل الرئيس رئيسي كان كفيلاً بإشعال هجمات انتقامية أو حتى حرب".

في المقابل، دفع محامي الشقيقين، أرييل أتاري، بأن موكليه لا ينكرون التواصل مع عميل أجنبي، وهو ما يشكل جريمة قانونية، لكنه طعن في فرضية النيابة بأن أفعالهما عرّضت أمن إسرائيل للخطر، معتبراً أنهما "ساعدا إسرائيل عبر استدراج أموال الإيرانيين مقابل معلومات مضللة".