تواجه مالي وضعا أمنيا مضطربا عقب هجمات منسقة واسعة النطاق نفذتها جماعة مسلحة متشددة مرتبطة بالقاعدة، وانفصاليون طوارق من جبهة تحرير أزواد، على مواقع استراتيجية يسيطر عليها المجلس العسكري الحاكم في العاصمة باماكو.

صحيفة "فاينانشال تايمز" أفادت في تقرير يرصد هذه التحركات أن الجماعة المتشددة في مالي، تتبنّى أساليب جديدة في هجومها المتسارع داخل البلاد، مستلهمة من "التجربة السورية"، بحسب وصف الصحيفة.

وتعمل الجماعة على توسيع نفوذها عبر هجمات متقدمة وتحالفات محلية، ما جعلها تقترب أكثر من مراكز السلطة في مالي وسط تراجع القوات الحكومية وحلفائها.

في الأسابيع الأخيرة، اقتحمت عناصر هذه الجماعة في هجمات خاطفة، مدنا في جميع أنحاء مالي، مما أجبر الجنود الروس، من الفيلق الإفريقي (فاغنر سابقا) والماليين على التراجع من مواقعهم الاستراتيجية في جميع أنحاء الدولة الشاسعة الواقعة في غرب إفريقيا.

كما قتلوا الرجل الثاني في قيادة النظام العسكري المحاصر، وبدأوا في فرض حصار مشدد حول العاصمة باماكو، مانعين وصول الوقود والغذاء إلى سكانها المحاصرين.

نهج جديد أكثر براغماتية؟

تشير الصحيفة في تقريرها إلى أن الماليين يدركون عنف الجماعات المتشددة، ورغم ذلك يرى بعض المراقبين أن نجاحها الأخير يعكس أيضا نهجا جديدا وأكثر براغماتية يهدف إلى بناء تحالفات وكسب تأييد ائتلاف أوسع في سعيها للوصول إلى السلطة.

في هذا السياق، يرى بعض المحللين ومراقبي الأمم المتحدة، الذين نقلت عنهم الصحيفة، أن الجماعة تستلهم دروسا من التجربة السورية بعد وصول أحمد الشرع، إلى السلطة عام 2024 وتبنيه موقفا معتدلا.

يقول وسيم نصر، الخبير في الحركات الإسلامية بمركز صوفان: "لقد أظهرت لهم سوريا ما هو ممكن، هذا لا يعني أنهم سيفعلون ما فعله السوريون حرفيا، ولكنه يثبت وجود طريق للوصول إلى السلطة".

وقد اتخذت "الجماعة" التي يُقدر عدد مقاتليها بنحو 6000 مقاتل، خطوات لإقناع الماليين بأنها تخفف من حدة توجهاتها الأيديولوجية. وقد نسقت هجومها مع جبهة تحرير أزواد الانفصالية، وهي قوة من الطوارق غير إسلامية، وصفتها الجماعة، على نحو غير معتاد، بأنها "إخوة".

وبدلا من التمسك بخطاب متشدد، بدأوا يتحدثون بحذر أكبر عن تقديم مستقبل أفضل لجميع الماليين، كما أصدرت الجماعة هذا الشهر بيانا نادرا باللغة الفرنسية، وهي لغة مشتركة لطالما تجنبتها.

وقالت في بيانها: "ندعو جميع الوطنيين المخلصين، دون استثناء، إلى النهوض والتوحد"، مضيفة أنها تسعى إلى "انتقال سلمي ومسؤول وشامل".

كيف استلهمت من تجربة هيئة تحرير الشام؟

بنت هيئة تحرير الشام التي تشكلت عام 2017 بعد انشقاقها عن تنظيم القاعدة، نفسها تدريجيا على مدى سنوات لتصبح قوة قتالية منضبطة، وفق الصحيفة، التي رأت أن "جماعة نصرة الإسلام" في مالي قد استلهمت بعض الأفكار من الهيئة في سوريا.

الشرع الذي استوعب منافسيه المحتملين خفف من حدة آرائه تدريجيا على مدى سنوات وحاول حشد الدعم داخل سوريا وخارجها قبل الإطاحة بنظام بشار الأسد بعد حرب أهلية دامت 14 عاما.

وفي صحراء مالي، كانت "الجماعة" تراقب الوضع عن كثب. فقد وجّهت تهنئة علنية للشرع، وتداولت بين عناصرها ومناصريها تعليقا حول سوريا بقلم محمود باري، أحد أبرز منظّريها وفق "فاينانشال تايمز".

مراقبو الأمم المتحدة أفادوا في يوليو بأن هذه الجماعة في مالي "تراقب عن كثب التطورات في سوريا، والتي قد تُقدّم نموذجا يُحتذى به إذا ما سعت في نهاية المطاف إلى الاستقلال عن القاعدة".

وقال هيني نسيبيا، الخبير في مشروع مراقبة النزاعات ACLED: "إنهم بالتأكيد يستلهمون مما حدث في سوريا"، مضيفا أن نقاشات حول هذا الموضوع قد ظهرت في النشرات الإلكترونية والرسائل الصوتية المتداولة بين المقاتلين، مضيفا: "هناك اعتدال طفيف طرأ".

النأي بنفسها عن "القاعدة"؟

من الدلائل الأخرى على محاولة هذه الجماعة تحسين مظهرها، هو امتناعها عن اختطاف مواطنين من دول غربية وكبحت جماح الهجمات العشوائية على المدنيين.

كما بدأت في النأي بنفسها عن تنظيم القاعدة، متوقفة عن إصدار بيانات مشتركة مع التنظيم، وامتنعت عن المشاركة في حملات القاعدة الإعلامية، وفق الصحيفة.

وتثار تكهنات بين بعض المحللين بأن "الجماعة" قد تسعى في نهاية المطاف إلى الانفصال عنها.

قال بكاري سامبي من معهد تمبكتو إن الجماعة "تحاول إلى حركة وطنية"، مضيفا: "إنهم يريدون الانخراط في اللعبة السياسية في باماكو".

لكن ثمة أسباب تدعو للتشكيك، بحسب الصحيفة، فليس من الواضح ما إذا كان هذا النهج الأكثر براغماتية مجرد حل تكتيكي مؤقت أم أنه يعكس تحولا استراتيجيا أعمق، له تبعات سياسية طويلة الأمد.