عقوبات واشنطن على ضابطين لبنانيين في الخدمة لم تضف اسمين جديدين إلى لائحة الضغط على حزب الله وحلفائه فحسب، بل فتحت واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية في لبنان: هل ما يظهر داخل الأجهزة الأمنية مجرد فساد فردي قابل للاحتواء، أم قنوات نفوذ سياسية وطائفية تعمل من داخل مؤسسات يفترض أن يكون ولاؤها للدولة وحدها؟
من عقيد في مخابرات الجيش إلى عميد في الأمن العام، ومن إخبار يتحدث عن جوازات مزوّرة لعناصر في الحرس الثوري ومسؤولين في حزب الله، إلى تقارير غربية ترصد نفوذًا تراكميًا منذ ما بعد الطائف، يجمع هذا التقرير معلومات خاصة لـبلينكس ومراجعة واسعة لمصادر أجنبية ومحلية، لتفكيك الخيط الرفيع بين التعامل مع بيئة حزب الله داخل الدولة، وتحول هذا التعامل إلى شبكة تأثير داخل مؤسساتها.
العقوبات الأميركية شملت العقيد سامر حمادة رئيس فرع الضاحية الجنوبية لبيروت في مخابرات الجيش اللبناني ورئيس دائرة الأمن القومي في الأمن العام العميد خطار ناصر الدين، إضافة إلى مسؤولين من حزب الله وحركة أمل.

رسالة واشنطن.. لا مكان للثنائي في الوفد؟
نقل مراسل قناة "أم تي في" اللبنانية في البيت الأبيض، أنطوني مرشاق، عن مصادر أميركية قولها إن العقوبات على ضباط لبنانيين ستتبعها عقوبات أخرى على ضباط ساعدوا حزب الله في نقل أسلحة.
وبحسب المصادر نفسها، فإن توقيت صدور العقوبات، قبل جلسة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة الأسبوع المقبل في واشنطن، يحمل رسالة واضحة بأن الوفد اللبناني يجب ألا يضم أي ممثل للثنائي الشيعي.
وفي هذا السياق، أوضح خبير أمني لبناني لـبلينكس أن الهدف من العقوبات الأميركية هو الضغط على السلطات اللبنانية لإلزامها بتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، بدل التردد والتراخي في مواجهة السلاح المتفلت.

الجيش يرد.. الولاء للمؤسسة فحسب
أصدرت قيادة الجيش بيانًا أكدت فيه أن "جميع ضباط المؤسسة العسكرية وعناصرها يؤدون مهامهم الوطنية بكل احتراف ومسؤولية وانضباط، ووفق القرارات والتوجيهات الصادرة عن قيادة الجيش"، مشددة على أن ولاء العسكريين هو "للمؤسسة العسكرية والوطن فحسب".
وفي هذا السياق، أوضح عميد متقاعد في الجيش اللبناني لـبلينكس أن ضباط المخابرات مضطرون إلى التعامل مع البيئة التي يعملون فيها، لكن ذلك لا يعني أنهم يعملون لحساب الثنائي الشيعي، بل يأتمرون بقيادة الجيش.

جوازات مزوّرة.. وعودة سؤال النفوذ
القرار، الذي استند إلى اتهامات تتعلق بتسهيل أنشطة غير قانونية مرتبطة بالحزب، لم يأتِ منفصلًا عن سياق أوسع، إذ تزامن مع فضيحة تزوير جوازات سفر داخل الأمن العام.
هذه الوقائع المتزامنة أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: كيف تمدّد الثنائي الشيعي داخل أجهزة الدولة؟ وكيف تُدار شبكات النفوذ داخل مؤسسات يُفترض أن تكون لكل اللبنانيين؟
شبهة تزوير داخل الأمن العام
بثّت وسائل إعلام لبنانية أسماء ضباط من الأمن العام اللبناني مشتبه بتورطهم في تزوير جوازات سفر، وهم: العقيد علي م. من شعبة الجوازات، والمقدم حسين د.، المسؤول في دائرة المعاملات البيومترية، والنقيب محمد ر. من دائرة المراجعات.
وأوضح عميد متقاعد في الجيش اللبناني لـبلينكس أن عملية تزوير الجوازات حصلت مقابل رشى تقاضاها الضباط، لا نتيجة اختراقات أمنية.
ولفت إلى أن تزوير جوازات في الأمن العام لمكتومي القيد والبدون وأجانب، ليس الأول من نوعه بسبب الفساد المالي، إذ سبق أن حصلت عمليات مماثلة 6 مرات بين عامي 1998 و2023، وتمت محاكمة المتورطين فيها من عسكريين ومدنيين بعد كشفها.

جوازات للحرس الثوري؟ إخبار يفتح الملف
تحرّك ملف الجوازات المزوّرة الأخير بناءً على إخبار وُجّه إلى النيابة العامة التمييزية هذا العام، تقدمت به النائب عن كتلة "الجمهورية القوية" غادة أيوب.
وجاء في الإخبار أن الجوازات المزوّرة مُنحت لعناصر في الحرس الثوري الإيراني ومسؤولين في حزب الله. وأحالت النيابة العامة الملف إلى الأمن العام، طالبة الحصول على تفاصيل إضافية تساعد في التحقيق واتخاذ المقتضى القانوني.
الأمن العام يرد: الجوازات ضُبطت والمتورطون أمام القضاء
أصدر الأمن العام اللبناني بيانًا أوضح فيه أن حالات التزوير التي حصلت في أعوام سابقة تمت بناءً على مستندات مزوّرة.
وأكدت المديرية أنها عمدت، فور التثبت من تلك المخالفات، إلى ضبط قيود الجوازات الصادرة بوقوعات غير صحيحة، واتخذت التدابير اللازمة لمنع استعمالها، كما أوقفت العناصر المتورطة وأحالتهم إلى القضاء المختص، حيث صدرت بحقهم أحكام قضائية.

من الطائف إلى اليوم.. كيف تمدّد نفوذ الثنائي؟
تُظهر مراجعة للتقارير الأجنبية والتحقيقات المنشورة خلال الأعوام الماضية أن تمدّد حزب الله وحركة أمل داخل المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية لم يكن حدثًا عابرًا، بل مسارًا تراكميًا بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، وتطوّر مع تبدّل موازين القوى الداخلية.
واستفاد الثنائي الشيعي من عاملين لتعزيز نفوذه:
- "الوصاية السورية" على لبنان في تلك المرحلة، بوصفها حليفة للنظام الإيراني.
- والإبقاء على سلاح حزب الله، في مقابل حلّ الميليشيات الأخرى وتسليم أسلحتها إلى الجيش اللبناني، تنفيذًا لاتفاق الطائف.

نفوذ بلا سيطرة؟ هكذا تُفتح القنوات داخل الدولة
في تقرير موسّع نشرته صحيفة "لوموند" في أبريل من العام الفائت، أشارت الصحيفة إلى وجود تغلغل منظّم للثنائي الشيعي، يستفيد من البنية الطائفية للدولة ومن شبكة العلاقات الاجتماعية التي نسجها الحزب داخل بيئته.
ولفتت "لوموند" إلى أن الجيش اللبناني، كمؤسسة، لا يخضع لسيطرة حزب الله، إلا أن وجود ضباط شيعة في مواقع حساسة يخلق نقاط تماس قد تتحول، في بعض الحالات، إلى قنوات نفوذ، خصوصًا في المناطق التي يتمتع فيها الحزب بحضور اجتماعي واسع.
ويستفيد الثنائي الشيعي، أمل وحزب الله، من نفوذ رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتربع على رأس الرئاسة الثانية منذ أكثر من 4 عقود. وبحسب عميد متقاعد تحدّث لـبلينكس، لا يتم تعيين أي مسؤول شيعي في الدولة من دون موافقته.
نفوذ ناعم داخل الأجهزة.. من الجنوب إلى الأمن العام
تشير دراسة صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 2019 إلى أن حزب الله اعتمد، منذ تسعينيات القرن الماضي، استراتيجية تقوم على دعم الضباط الشيعة داخل المؤسسات الرسمية، من دون فرض علاقة تنظيمية مباشرة عليهم.
وتوضح الدراسة أن الحزب يستفيد من التعاطف الموجود داخل بيئته الاجتماعية، وهو ما ينعكس أحيانًا داخل المؤسسات الأمنية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالجنوب أو المناطق الحدودية.
وتضيف تقارير غربية أن حركة أمل تمتلك بدورها نفوذًا داخل بعض الأجهزة، خصوصًا في الأمن العام، حيث يشغل ضباط قريبون منها مواقع إدارية حساسة.
وتجدر الإشارة إلى أن منصب المدير العام للأمن العام كان مارونيًا منذ الاستقلال، قبل أن يصبح شيعيًا عام 1991 بضغوط من الوصاية السورية، لتتمسك القوى الشيعية السياسية بالمنصب بعد انسحاب القوات السورية من لبنان.

من فائض القوة إلى الشارع
دفع فائض القوة لدى الثنائي الشيعي في لبنان، أمل وحزب الله، مناصريهما إلى اللجوء إلى الشارع بأعداد كبيرة للتعبير عن رفضهم لأي قرار لا يوافقون عليه.
وغالبًا ما يجول هؤلاء على دراجات نارية حاملين أعلامًا حزبية، ويدخلون مناطق ذات غالبية سنّية أو مسيحية، وسط هتافات مثل: "شيعة، شيعة".
وأحيانًا، لا تمر هذه الاستعراضات من دون احتكاك مع أبناء تلك المناطق، ما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى، كما حصل في أحداث الطيّونة في 14 أكتوبر 2021.
اختراق بلا خلايا؟ هكذا تعمل شبكات النفوذ
اعتبرت مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل، في تقارير أصدرتها بين عامي 2020 و2022، أن آليات الاختراق لا تتخذ دائمًا شكل علاقة أمنية مباشرة، بل تظهر أحيانًا عبر ضغوط سياسية، أو علاقات شخصية بين ضباط ومسؤولين في الحزب أو الحركة، أو من خلال شبكات مصالح تتقاطع مع نفوذ القوى السياسية داخل الدولة.
وتوضح المجموعة أن هذا النفوذ لا يعني وجود خلايا داخل الجيش، بل شبكة علاقات اجتماعية وسياسية يمكن أن تُستغل في لحظات معينة، خصوصًا في ظل ضعف الدولة وتراجع قدرتها على فرض معايير مهنية صارمة.
أسماء خرجت إلى العلن.. هل كشفت خيوط النفوذ؟
في ملفات خرجت إلى العلن، نشرت صحف محلية وأجنبية أسماء ضباط قيل إنهم تعاونوا مع حزب الله، انطلاقًا من ولاءات سياسية ومذهبية، في بلد يقوم نظامه على قاعدة المحاصصة في الوظائف العامة، حيث يصبح النفوذ السياسي مدخلًا للتأثير داخل المؤسسات.
ومن بين هذه الملفات، قضية العميد ماهر ر.، الذي ورد اسمه في تقرير صادر عن مركز دراسات الأمن والاستخبارات في أوروبا عام 2023. وأشار التقرير إلى نقله من منصبه كرئيس لمكتب أمن الضاحية في مديرية المخابرات، بعد الاشتباه في تورطه بشبكة تهريب سلاح ومخدرات.
ورعد هو نسيب رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، النائب محمد رعد، وينحدر كلاهما من بلدة جباع الجنوبية. وبحسب ما ورد في النص، فإن نفوذ الحزب على الأرض جعل قيادة الجيش تنقله إلى المفتشية العامة بدل محاسبته أو طرده من الجيش.
وتجدر الإشارة إلى أن مديرية المخابرات يتولى رئاستها ضابط ماروني، فيما أصبح منصب نائب المدير، منذ مرحلة "الوصاية السورية"، من حصة ضابط شيعي له دور نافذ داخل المديرية.
تسريب معلومات من غرفة عمليات؟
وفي ملف آخر، اتُّهم العميد سهيل ب. ح.، بحسب صحيفة "التايمز"، بتسريب معلومات حساسة من غرفة عمليات مشتركة تضم ضباطًا لبنانيين وأميركيين وفرنسيين إلى حزب الله، بينها معلومات تتعلق بتحركات وحدات الجيش في الجنوب.
ورغم أن هذه الاتهامات لم تُترجم إلى إجراءات قضائية معلنة، فإن ورود اسمه في صحيفة دولية أثار أسئلة حول قدرة الجيش على حماية معلوماته السرّية.
اشتباه في تواصل غير نظامي
وفي تقرير صادر عن مركز الدراسات الأمنية والدفاعية في أوروبا عام 2017، ورد اسم الرائد يحيى ح. باعتباره ضابط استخبارات في قطاع حاصبيا، اشتُبه بأنه على تواصل غير نظامي مع حزب الله.
ورغم أن الملف لم يُعلن رسميًا في لبنان، فإن ذكر اسمه في صحف إسرائيلية أعاد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين بعض الضباط الشيعة والحزب في المناطق الحدودية.
ساقية الجنزير.. احتكاك محلي يكشف أزمة الدولة
تحولت حادثة ساقية الجنزير، الشهر الفائت، بين دورية من أمن الدولة بقيادة ضابط شيعي محسوب على الثنائي الشيعي، وعامل سنّي في قطاع المولدات في بيروت، إلى احتكاك أخذ طابعًا مذهبيًا.
وأعادت الحادثة إلى الذاكرة ما جرى في المنطقة نفسها عام 2015، حين أدى خلاف مشابه بين شبان ودورية أمنية إلى توتر مذهبي وانتشار مسلحين، قبل أن يتدخل الجيش.
وفي هذا السياق، اعتبر خبراء غربيون في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في تقارير نُشرت بين عامي 2019 و2022، أن الاختراقات التي تظهر بين حين وآخر ليست دليلًا على سيطرة حزب الله على الجيش، بقدر ما تؤشر إلى ضعف الدولة اللبنانية وعجزها عن بناء مؤسسات محايدة تعمل لكل اللبنانيين.
ويرى هؤلاء أن النظام الطائفي يجعل من الصعب عمليًا فصل المؤسسات عن القوى السياسية التي تمثل الطوائف. لذلك، فإن معالجة هذا الواقع تتطلب إصلاحًا جذريًا في بنية الدولة، لا مجرد نقل ضباط أو فتح تحقيقات ظرفية، لأن المشكلة، في جوهرها، ترتبط بطبيعة النظام الطائفي نفسه.





