عاد مرفأ بيروت إلى قلب المخاوف اللبنانية، لكن هذه المرة ليس بسبب شحنة غامضة أو تحقيق مؤجل، بل بسبب رواية أمنية إسرائيلية آخذة في التوسع، تربط بين شحنات تجارية تدخل عبر المرافئ اللبنانية وبين برنامج المسيرات الانقضاضية الذي يستخدمه حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي.
وبين تغريدات انتلي تايمز، وتقارير إعلامية لبنانية وإسرائيلية، ودراسة صادرة عن مركز البحث ألما عن خطر مسيرات "أف بي في"، تتشكل فرضية خطيرة مفادها أن إسرائيل قد تنظر إلى المرفأ باعتباره عقدة لوجستية في سلسلة إمداد المسيرات، لا مجرد منشأة مدنية لبنانية.
من تغريدة أمنية إلى تهديد مباشر للمرفأ
نقل موقع المدن أن حساب انتلي تايمز دعا إسرائيل في 5 مايو إلى التحرك ضد خطوط توريد المسيرات المتفجرة التابعة لحزب الله، حتى لو أدى ذلك إلى "انتهاك مؤقت" لوقف إطلاق النار.
واعتبر الحساب أن التجربة الروسية والأوكرانية أثبتت أن آلاف المسيرات الرخيصة قد تتحول إلى تهديد يغير قواعد اللعبة، خصوصا عندما يصل مداها إلى 30 كيلومتر، بما يهدد مستوطنات الشمال.
ربط انتلي تايمز لاحقا بين مقاطع الفيديو التي نشرها حزب الله أو التي وثقت بعد سقوط مسيراته، وبين مكونات صينية، خصوصا بكرات الألياف الضوئية، قائلا إن التقرير الذي نشره قبل أسبوع وجد "تطابق محتمل" بين الطرف المسوق والطرف المستورد، وإن هذه الشحنات تصل غالبا في حاويات إلى مرفأ بيروت.
لماذا ترى إسرائيل المسيرات خطرا متصاعدا؟
بحسب تقرير ألما، أصبحت المسيرات الصغيرة، وخصوصا مسيرات "أف بي في" المعتمدة على الألياف الضوئية، السلاح الأبرز الذي يستخدمه حزب الله ضد قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان منذ بدء الحملة الحالية في مارس، وبشكل أوضح بعد وقف إطلاق النار في 18 أبريل.
ويقول التقرير إن أكثر من 80 مسيرة متفجرة أطلقت خلال الأسابيع الأخيرة، أصابت نحو 15 منها أهدافها، وقتلت 4 جنود ومدني، وأصابت عشرات الجنود.
وتكمن خطورة هذه المسيرات، وفق ألما، في أنها تستفيد من دروس حرب أوكرانيا، حيث يمكن لمسيرات رخيصة معدلة أن تتجاوز دفاعات متقدمة. فربط المسيرة بسلك ألياف ضوئية يلغي فعالية التشويش الإلكتروني، لأن المسيرة لا تبث إشارة كهرومغناطيسية يسهل تتبعها، كما أن حجمها الصغير وطيرانها المنخفض يجعلان رصدها بالرادار أو الحرارة أكثر صعوبة.
المرفأ كحلقة لوجستية لا كهدف عسكري معلن
لا تقول الرواية الإسرائيلية إن مرفأ بيروت نفسه منصة إطلاق، بل تركز على احتمال استخدامه كبوابة دخول لمكونات مزدوجة الاستخدام: مسيرات مدنية، ألياف ضوئية، بكرات تحكم، وقطع يمكن تحويلها لاحقا في ورش داخل لبنان إلى سلاح دقيق.
ووفق ألما، فإن المسيرات تصنع أساسا كمنتج مدني، غالبا في الصين، ثم يعدلها حزب الله في ورش داخل لبنان بإضافة عبوات بدائية، وأحيانا ألياف ضوئية تمتد لعشرات الكيلومترات.
هنا يصبح مرفأ بيروت، في الخطاب الأمني الإسرائيلي، "عقدة إمداد" محتملة. وقد أشار موقع المدن إلى أن تقارير غربية ولبنانية تحدثت عن ارتفاع واردات الألياف الضوئية إلى لبنان، وربطت ذلك بظهور مسيرات حزب الله الانقضاضية، وهو ما اعتبره منتقدون لبنانيون توفير مبررات محلية لأي ضربة إسرائيلية محتملة ضد منشآت الدولة اللبنانية.
بين التهويل والواقع الميداني
في المقابل، حاول الجيش الإسرائيلي تهدئة المخاوف، إذ فقد نقلت جيروزاليم بوست عن ضابط في كتيبة "سابر" التابعة للواء "غفعاتي" أن تهديد المسيرات "مبالغ فيه"، مع إقراره بأنه تهديد حقيقي لا يجوز تجاهله بعد هجوم 7 أكتوبر.
ووصف الضابط المسيرات بأنها مشكلة تكتيكية لا استراتيجية، قائلا إنها لا تعطل عمل القوات، وإن الجيش أجرى تعديلات ميدانية للتعامل معها.
لكن الأرقام الميدانية تعطي صورة أكثر تعقيد، حيث أشارت الصحيفة نفسها إلى مقتل 3 جنود ومدني بمسيرات أطلقت من لبنان منذ وقف إطلاق النار في 17 أبريل، وإصابة 50 آخرين خلال شهر واحد، فيما قالت تايمز أوف إسرائيل إن حزب الله أعلن أن مسيرة أصابت مدنيين في شمال إسرائيل كانت تستهدف تجمعا لجنود إسرائيليين قرب رأس الناقورة.





