في وقت تتسارع فيه جهود إعادة التسلح داخل أوروبا على خلفية الحرب في أوكرانيا، تكشف التطورات أن طموح بناء قوة دفاعية أوروبية مستقلة لا يزال يصطدم بعقبات عميقة، تجعل العديد من المشاريع المشتركة تتعثر أو تُلغى قبل أن تكتمل، بحسب تقرير نشرته صحيفة ليزيكو الفرنسية.

ومن "يورو درون" إلى دبابة المستقبل MGCS، تتكرر نفس الإشكالية: برامج طموحة تنطلق بتوافق سياسي واسع، لكنها سرعان ما تنهار تحت ضغط الخلافات بين الدول والشركات، في وقت تتجه فيه العواصم الأوروبية بشكل متزايد نحو شراء السلاح الأميركي بدل تطويره محليا.

📱

Loading TikTok...

خلافات داخلية.. أوروبا تعرقل نفسها

تشير ليزيكو إلى أن السبب الرئيسي لفشل المشاريع الدفاعية الأوروبية يكمن في الانقسامات بين الدول الأعضاء والصناعات العسكرية، حيث تؤدي تضارب المصالح إلى تعطيل المشاريع منذ مراحلها الأولى.

وفي هذا السياق، أقر مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس بأنه لا يوجد "أي مثال ناجح" على تطوير مشروع دفاعي أوروبي مشترك، معتبرا أن برنامج الطائرة المقاتلة المستقبلية SCAF يمثل أحدث تجليات هذا الفشل.

كما تعكس الخلافات بين فرنسا وألمانيا حول تقاسم الأدوار الصناعية والقيادة التقنية مدى صعوبة تحقيق توافق أوروبي حقيقي، ما يؤدي إلى تأجيل مستمر أو انهيار معظم للمشاريع.

تكلفة وتعقيد.. مشاريع تفقد جدواها

توضح ليزيكو أن ارتفاع التكاليف وتعقيد البرامج المشتركة يشكلان عاملا حاسما في إفشالها، حيث تتحول المشاريع إلى عبء مالي وصناعي يصعب تحمله.

فبرنامج دبابة المستقبل MGCS، الذي كان يفترض أن يكون حجر الأساس للقوة البرية الأوروبية، يواجه مصيرا غامضا بسبب تكلفته المرتفعة، إذ اعتبرت الجهات الفرنسية أن العرض الصناعي "غير مطابق للتوقعات"، ما أدى إلى تعطيل المشروع.

كما تسعى فرنسا إلى الخروج من برنامج "يورو درون"، بينما توقفت أو تعثرت مشاريع أخرى مثل طائرة الدوريات البحرية MAWS أو برنامج المدفعية CIFS، ما يعكس صعوبة التنسيق بين احتياجات الجيوش الأوروبية المختلفة.

الولايات المتحدة.. المستفيد من التعثر الأوروبي

في ظل هذا الواقع، تشير ليزيكو إلى أن الولايات المتحدة تظل المستفيد الأكبر من فشل المشاريع الأوروبية، حيث يتم تنفيذ أكثر من 60% من مشتريات الدول الأوروبية من خارج الاتحاد، ومعظمها من السوق الأميركية.

وتبرز أمثلة عديدة على ذلك، من بينها قرار ألمانيا شراء طائرات P-8 الأميركية، ما أدى إلى إنهاء برنامج MAWS، واختيار مروحيات "أباتشي" بدلا من تطوير مشروع أوروبي مشترك.

كما أن بعض الدول التي شاركت في تطوير طائرات "يوروفايتر" اختارت لاحقا شراء مقاتلات F-35 الأميركية، في مؤشر واضح على تراجع الثقة في القدرة الأوروبية على إنتاج بدائل تنافسية.

تكشف هذه المعطيات، بحسب ليزيكو، أن فشل مشاريع الدفاع الأوروبية ليس نتيجة ظرف طارئ، بل يعكس خللا بنيويا في آليات التعاون بين الدول، حيث تتقاطع الخلافات السياسية مع التحديات الصناعية والتكلفة المرتفعة، لتدفع أوروبا في النهاية نحو الاعتماد المتزايد على السلاح الأميركي بدل تحقيق استقلالها الدفاعي.