كشفت شبكة "سي إن إن" الأميركية في شهادات لأكثر من ١٢ عائلة إيرانية، كيف تعرضوا لضغوط من السلطات الإيرانية لتزييف ملابسات وفاة أولادهم الذين تظاهروا في شوارع طهران ومدن أخرى احتجاجا على الغلاء، خلال حملة قمع قُتل في غضون أيام قليلة في أوائل يناير الآلاف منهم.

لكن بالنسبة لعائلة أمير حسين سعيدي، كما هو الحال بالنسبة للكثيرين غيرهم، لم تنتهِ المحنة بوفاته عند نزوله للشارع للاحتجاج. تقول العائلة إن السلطات سعت إلى طمس الحقيقة حول كيفية مقتله هو وغيره من المتظاهرين.

الشهادات التي جمعتها الشبكة الإخبارية بمساعدة منظمات حقوق الإنسان والناشطين، تقول فيها العائلات إنها تعرضت لضغوط لتسجيل ذويها كأعضاء في الباسيج، وهي القوة المدعومة من النظام الإيراني والمكلفة بقمع الاحتجاجات.

كما أُمر آخرون بوصفهم بـ"شهداء" إيران الذين قُتلوا على يد جماعات إرهابية أو عملاء أجانب. ويقول البعض إنهم طُلب منهم الادعاء بأن أقاربهم توفوا نتيجة جرعات زائدة من المخدرات أو حوادث. فماذا في هذه الشهادات؟

طمس الحقيقة أو قتل فرد آخر من العائلة

تقول عائلة سعيدي، 19 عامًا، وهو طالب معلوماتية، إنها حثته على البقاء في المنزل مع ازدياد خطورة الاحتجاجات، لكنّه كان مصمما على التظاهر.

في مساء اليوم التالي، كان سعيدي يحتضر بين ذراعي والده، بعد أن أُصيب برصاصة في وجهه في أحد شوارع طهران خلال حملة القمع، وفقًا لأحد أقاربه داخل إيران الذي تحدث إلى شبكة CNN شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام.

بعد وفاة سعيدي، حضرت قوات الأمن مراسم العزاء التي أقامتها العائلة، ثم توجهت إلى منزل والديه، بحسب ما أفاد أحد أقاربهم، وهددت بقتل فرد آخر من العائلة إن لم يتعاونا.

وأضاف قريبهم: "قالوا لوالد أمير حسين إنّه يتحدث كثيراً، لأنّه كان يردد أنّ ابنه قُتل أمام عينيه".

بحسب أحد الأقارب، قيل للعائلة: "علينا أن نعلن ابنكم شهيدًا، ولا يُسمح لكم بالكلام في أي مكان. يجب ألا تنطقوا بكلمة، وإلا ستُلاقون مصيرًا مشابهًا لمصير ابنكم الآخر".

"قمع ممنهج"

رغم صعوبة الحصول على شهادات مباشرة حول أساليب الترهيب هذه من داخل إيران، اطلعت شبكة CNN على رسائل نصية وصوتية أرسلها العديد من أفراد العائلات، تُشير إلى استخدام واسع النطاق للإكراه.

في إحدى الحالات، طُلب من والد فتى يبلغ من العمر 13 عامًا قتل برصاصة في رقبته، أن يُعلن انتماء ابنه لقوات الباسيج، أو أن يدفع نحو ستة مليارات ريال إيراني، أي ما يُقارب 4000 إلى 5000 دولار أميركي، بحسب سعر الصرف المتقلب، وذلك وفقًا لرسائل أُرسلت إلى مجموعة "إيران واير" الناشطة، واطلعت عليها CNN.

تقول عائلة الفتى إنها قاومت حتى الآن أساليب الترهيب، وتمكنت من التفاوض على تخفيض المبلغ المطلوب بفضل علاقاتها. لكن بالنسبة للعديد من العائلات الأخرى التي تعاني من أزمة غلاء المعيشة الخانقة في إيران، لم يكن أمامهم خيار سوى القبول.

شهادات من خارج حدود إيران

تمكن بعض أفراد العائلات خارج إيران من التحدث بحرية أكبر عما عاناه أحباؤهم منذ بدء حملة القمع.

أُصيب سام، ابن برويز أفشاري البالغ من العمر 17 عامًا، برصاصة في أسفل ظهره في شوارع كرج في 8 يناير. ويقول والده، المقيم حاليًا في ألمانيا، لشبكة CNN إن سام نُقل إلى المستشفى، لكنه قُتل هناك على يد قوات الأمن برصاصة وصفها بأنها "رصاصة قاضية" بينما كان لا يزال موصولًا بجهاز الأكسجين والمحلول الوريدي.

وأضاف أفشاري أنه عندما ذهبت زوجته لاستلام جثة سام، كان مصابًا بجروح بالغة في وجهه لدرجة أنه لم يكن بالإمكان التعرف عليه إلا من خلال وشم على صدره. وطالبت قوات الأمن زوجته بالتوقيع على ورقة تُفيد بأن سام كان عضوًا في قوات الباسيج قُتل على يد إرهابيين.

وتابع أفشاري: "حينها احتجت زوجتي وشقيقتها وشقيقي، حتى أنهم أطلقوا طلقة تحذيرية في الهواء لتهدئة الوضع".

استمرت زوجته في الرفض، وفي النهاية سمحوا لهم بدفن سام، ولكن نظرًا لاكتظاظ المقابر، اضطروا لدفنه في مكان ناءٍ مع متظاهر شاب آخر في نفس القبر.