0:00/0:00

في نهايات سبتمبر 2022، وفي إحدى الجلسات الحوارية التي تنظمها مكتبة فرنسا الوطنية، فرانسوا ميتران، والتي عادة ما يتداعى لها المهاجرون الجدد الراغبين في استكشاف الثقافة الفرنسية، كان محور الحديث عن السينما، عندما منح مسيّر الجلسة كل مشارك فرصة للحديث عن فيلم لفت انتباهه خلال عطلة نهاية ذلك الأسبوع، ومن بين الأفلام التي جرى استعراضها "أثينا" وهو فيلم فرنسي كان يعرض وقتها على شبكة نتفليكس.

بدا مَن اقترح الفيلم أكثر جرأة وهو يشير إلى القرب الشديد بين خيال مخرج أثينا، رومان غافراس، وبين الواقع الذي تعيشه ضواحي باريس فعليا في 2022.

في خضم جدية المتحدث وقتها، وتفكير الحضور في مآلات ما قاله، قفز مسير الجلسة سريعا على الأمر، قبل أن يصف الفيلم بأنه "مجرد خيال مبدع لا يمت للواقع بصلة"، وينتقل للحديث عن هوليود وأفلام الخيال العلمي.

الآن بعد مرور أقل من عام، تكررت أحداث الفيلم بكل تفاصيلها، حيث تعيش ضواحي العاصمة الفرنسية باريس ومدنا أخرى في دوامة العنف والاضطرابات منذ 6 ليال، على خلفية مقتل الشاب الفرنسي من أصول جزائرية نائل المرزوقي، ١٧ عاما، إثر تعرضه لإطلاق نار من مسافة قريبة من قبل ضابط شرطة، قبل ان ينتقل العنف إلى عدد من الضواحي والمدن الباريسية، ومدن فرنسية أخرى، ويضع فرنسا بأكملها على سطح بارود، حيث أعمال الشغب والعنف والسطو على المحال التجارية.

أثينا الباريسية

في فيلم أثينا، تبدأ القصة من إعلان أحد أبطال الفيلم "عبدل" الجندي الفرنسي من أصول جزائرية، وفاة شقيقه الأصغر إيدير البالغ من العمر 13 عاما، بعد تعرضه للضرب من قبل 3 رجال يُعتقد أنهم من الشرطة، ليتدخل فجأة الشقيق الثالث كريم المراهق ذو الـ17 عاما، ويبدأ مع أقرانه إلقاء زجاجات المولوتوف الحارق على ضباط الشرطة انتقاما لمقتل أخيه الطفل، ويقتحموا بعدها المركز ويبدأوا في الاستيلاء على الأسلحة والسيارات، ويهربوا بها إلى أحد المجمعات الضخمة بضاحية أثينا، تحصنا من رد فعل الشرطة.

Image 1

ما أن وصلت شرطة العمليات الفرنسية الخاصة إلى مجمع أثينا، حتى انفجرت الأوضاع في عدد من الضواحي الأخرى التي فزعت إلى "أثينا"، لتخفيف الضغط على رفاق كريم، الذين انتقموا من الشرطة والدولة.

على وقع ذات السيناريو، وبتفاصيل تكاد تتطابق تفاصيل حادث مقتل الشاب الفرنسي نائل، في ضاحية نانتير التي تبعد 13 كيلومترا من العاصمة باريس.

الحياة في الضواحي

بنظرة أعمق إلى الأوضاع في الضواحي الفرنسية، التي أخذت في التمدد على أطراف المدن منذ الجمهورية الفرنسية الثالثة وتحديدا منذ العام 1852 في ليون، و1858 في ليل، و1860 في باريس، يمكن ملاحظة تطابق الأحوال المعيشية في هذه الأحياء رغم اختلاف المدن.

المعاملة القاسية من الشرطة وانتشار عصابات المخدرات والأعمال غير النظامية، من أبرز الأسباب التي تتسبب في تكرار حوادث العنف، فبعد أحداث ٢٠٠٥ الدامية، تكررت ذات المواجهات في 2006، و2017، بسبب عنف الشرطة ضد شباب المناطق المحرومة.

عزلة إجبارية سببها التنميط

كثيرا ما ارتبطت الضواحي وسكانها من المهاجرين بصورة نمطية معينة لدى الفرنسيين، مفادها العنف الشديد، وكردّة فعل لهذه الصورة، يفضّل قطاع كبير من المهاجرين العيش في الضواحي، إما هربا من ارتفاع أسعار السكن في المدن الكبيرة أو تحصنا بمجتمعات وطبقات اجتماعية مماثلة.

في ضاحية أوبيرفيليه التابعة لإقليم سان سين سان دوني، الأكثر اكتظاظا بالسكان في منطقة إيل دو فرانس، في العاصمة باريس، التي تحتضن أكبر عدد من الجالية المغاربية من الجزائر، والمغرب، وتونس، وموريتانيا، وليبيا، التي تعيش في فرنسا، تبدو هذه الحقيقة ماثلة للعيان.

يعيش سكان الضاحية بين الحنين إلى المغرب الكبير، ونمط العيش الفرنسي، وهو أمر يؤشر على صعوبة الاندماج، وتقهقر إلى الوراء بعد اختبارهم صعوبات التنميط والتمييز في مواقف شتى، بل عدم الاعتراف بفرنسيتهم الكاملة، رغم أنهم من أبناء الجيل الثاني المولودين في فرنسا.

في أحد مطاعم الكباب التركي المنتشرة في المنطقة، يتولى التونسيان قيس وأنور خدمة زبائنهما داخل المطعم والذين يغلب عليهم الطابع المغاربي العربي، والبعض الأخر من أفريقيا جنوب الصحراء، في وقت تبدو فيه اللغة العربية الأكثر تداولا في تلقي الطلبات وتلبيتها.

Image 1

يقول قيس لـ بلينكس "ولدت هنا في فرنسا، وأحمل جنسيتها لكنني لا أزال أشعر بأنني تونسي، أعشق فريق الترجي التونسي ولا أشجع غيره، وأتابع كل ما يدور هناك، المهم بالنسبة لي الآن هو أنني راض عن عملي هنا بين أخوتي. نعم منطقتنا أوبيرفيليه تعانى من التهميش.. لكننا اعتدنا على ذلك".

عن الأحداث الأخيرة، يقول قيس إنها ردّة فعل طبيعية على عنف الشرطة التي "اعتادت الفتك بالمهاجرين من أصول عربية".

مثل قيس، يقف عبدالقادر، الفرنسي من أصول جزائرية، خارج المقهى الذي يديره، يتجاذب أطراف الحديث مع عدد من الشباب ذوي الأصول العربية أيضا، عما حدث مؤخرا، وإغلاق مكتب البريد القريب منهم بسبب أحداث العنف.

غير بعيد عن المقهى تتواجد إحدى السيارات المحترقة على جانب الطريق، يقول عبد القادر "حدثت هنا الكثير من أعمال التخريب، كنا محظوظين ولم يتعرض المقهى لأي ضرر، أعتقد أن المشكلة أكبر من قضية نائل، المشكلة أساسا في نظرة وتعامل الشرطة مع المهاجرين، وهي نظرة تمييزية، لا بد أن تنتهي".

السينما تنقل الواقع أم العكس؟

على الرغم من الانحدار الكبير في الأحداث الأخيرة المصاحبة لمقتل نائل حيث انتقال العنف والاحتجاجات إلى مدن فرنسية أخرى مثل كليمار ومرسيليا وليون وستراسبورغ، وأيضا استحواذه على الاهتمام العالمي، فإنه ليس الأول في تاريخ الضواحي الفرنسية، إذ سبقته هزة أحداث أكتوبر 2005.

تعرضت فرنسا وقتها لموجات عنف مماثلة بعد مقتل مراهقَين من أصل أفريقي وعربي صعقا بالكهرباء في ضاحية كليشي سوا بوا بباريس، خلال محاولتهما الهرب من الشرطة التي كانت تطاردهما بتهمة سرقة مزعومة، ما أجج الاحتجاجات التي استمرت 3 أسابيع، بدأت من الضاحية الباريسية وتأثرت بها عموم فرنسا، واضطر الرئيس الفرنسي وقتها جاك شيراك إلى إعلان حالة الطوارئ.

حصيلة تلك الموجة من العنف وصلت لإحراق 10 آلاف سيارة، وتضرر 300 مبنى، مع مئات المصابين من المواطنين وعناصر الشرطة.

وللمصادفة، ومثلما تزامنت الأحداث الحالية مع تنبؤات فيلم أثينا، جاءت أحداث 2005 الدامية والعنيفة بعد عرض فيلم يحذر من التهميش المتعمد للمهاجرين من سكان الضواحي، والمقصود هنا فيلم "بونليو 13"، أو الضاحية 13، الذي أخرجه بيير موريل منتصف 2004.

تدور قصة الفيلم حول الضاحية 13 على تخوم باريس، التي تواجه معاملة تمييزية باعتبارها منطقة مكروهة ومعزولة لدرجة فصلها عن باريس بسور عازل، وتركتها الشرطة فريسة لتاجر المخدرات، طه، قبل أن تقوم الشرطة بتحريرها لاحقا، بفضل بطل الضاحية ليتو.

اعرف أكثر عن..

فرنسا المحرومة

  • يعيش في فرنسا حوالي 5.2 مليون شخص في ما يعرف بـ"الأحياء المحرومة"، أو ما يعادل نحو 8% من عموم سكان الدولة، بحسب بيانات معهد الإحصاء الوطني الفرنسي، إنسي، الصادرة هذا العام.
  • ما يقارب من 23.6% من سكان هذه الأحياء لم يولدوا في فرنسا، مقارنة بـ10.3% في بقية الأحياء، وفقا لبيانات سابقة لنفس المعهد، صادرة في العام 2021.
  • ترتفع معدلات البطالة بين سكان هذه الأحياء مقارنة بباقي مناطق الدولة، ففي العام 2020، بلغت نسبة البطالة 18.6% في صفوف السكان في سن العمل، مقارنة بنسبة 8% على المستوى الوطني.
  • الانعزال عن الدولة تجلى في الانتخابات الرئاسية لعام 2017، حينما امتنع 48% من سكان الأحياء المحرومة عن التصويت، أو لم يسجلوا أنفسهم في القوائم الانتخابية من الأساس، بحسب دراسة أجراها معهد مونتين في العام 2020، بينما كانت النسبة 29% فقط، في باقي الأحياء الفرنسية.
  • بلغت استثمارات الوكالة الوطنية للتجديد الحضري نحو 12 مليار يورو في الأحياء الشعبية بين عامي 2004 و2020.

أكثر وأكثر عن..

مهاجرو فرنسا

  • يصل عدد المهاجرين في فرنسا نحو ٧ ملايين، أو 10.3% من إجمالي السكان، يأتي نصف هذا العدد من أفريقيا بنحو 3.31 مليون مهاجر، بحسب آخر دراسة إحصائية لمعهد الإحصاء الوطني الفرنسي إنسي.

  • أكثر من 50% من أبناء الجيل الثاني لديهم أحد الوالدين مهاجر فقط والطرف الثاني من أصول فرنسية- أوروبية، فيما 9 من كل 10 من أبناء الجيل الثالث لديهم جد أو اثنان من المهاجرين.
  • 40% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام و4 أعوام، مهاجرون أو من أصول مهاجرة حسب آخر تعداد سكاني في 2021.
  • الأصول الأولى لهؤلاء الأطفال، أفريقية في الغالب، 10.9% منهم من دول المغرب والجزائر وتونس، و5.6%من بقية القارة، مقابل 1.3% من أصول إسبانية وإيطالية وبرتغالية.