استيقظ الفلسطينيون في جنين على أصوات قصف وانفجارات، تلتها صرخات استغاثة وتكبير من المساجد منتصف ليلة الأحد، بعد شن الطيران الإسرائيلي أعنف غارات جوية منذ ما يقرب من عقدين على المدينة.

تبع ذلك تقدم لواء حربي كامل مكون من مئات الجنود وعشرات المركبات المدرعة والدبابات والجرافات العسكرية التي استمرت بالاشتباك وضرب عدة أهداف حول المدينة في إعلان لأول عملية واسعة النطاق من هذا النوع في الضفة الغربية المحتلة، منذ الانتفاضة الثانية عام 2001-2004.

الجيش الإسرائيلي أطلق اسم "البيت والحديقة" على العملية التي يُتوقع استمرارها عدة أيام ضد الفصائل المسلحة في المدينة، ليرتفع عدد القتلى إلى 9 فلسطينيين وعشرات الإصابات، حتى ظهر الاثنين، بينما توعد الفلسطينيون بالرد.. لكن لماذا الاستهداف المتكرر لجنين؟ وما الذي يميزها عن غيرها من المدن الفلسطينية؟

ما بعد "أبو مازن"

تفسر صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية في افتتاحيتها، ما يحدث في جنين، وإمكانية انتشاره في مدن فلسطينية أخرى "انظروا إلى جنين الآن لمعرفة ماذا ينتظرنا في اليوم التالي لرحيل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس"، وأتبعت ذلك بنظرة تشاؤمية لتطور قدرات الفصائل المسلحة في المدينة بعد تفجير مدرعة النمر يوم ١٩ يونيو الماضي.

تقول الصحيفة إن الجنود الإسرائيليين يواجهون مقاومةً شرسة في كل مرة يحاولون فيها اقتحام المدينة، سواء بإطلاق النار أو القنابل الحارقة، أو حتى بوابل من الحجارة أو إسقاط أشياء ثقيلة من فوق أسطح المنازل.

Image 1

إسرائيل ترى أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية فقدت سيطرتها على الوضع في جنين، وأنها لم تعد قادرة على الوقوف في وجه الفصائل المسلحة في المدينة.

أما السلطة، فيرى محللون بأنها تخاف من أن تشكّل ملاحقتها تلك الفصائل "انتحاراً سياسياً" يهدد وجودها، خاصةً في ظل تأزم شعبيتها وتردّي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في الضفة المحتلة، وتنامي وتيرة الاستيطان والعنف الإسرائيليين لمستويات غير مسبوقة.

"سُلطة" و"مقاومة"

يعد أمين سر حركة فتح في جنين عطا أبو رميلة أحد أبرز الداعمين العلنيين للفصائل المسلحة، في موازاة أبو رميلة، يأتي فتحي خازم الذي يُلقب "بشيخ المطارَدين" ويحظى بمكانة كبيرة وسط الفصائل في المدينة، هو في الأصل عقيد متقاعد من جهاز الأمن الوطني التابع للسلطة الفلسطينية، بينما

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ابن فتحي هو رعد خازم منفذ "عملية ديزنغوف" في تل أبيب عام 2022 والتي قتل فيها ٥ إسرائيليين وانسحب من المنطقة لتستمر بعدها عمليات البحث في كافة أرجاء المدينة ٨ ساعات حتى العثور عليه وقتله في يافا صباح اليوم التالي. تبع ذلك الهجوم اقتحامات متتالية من الجيش الإسرائيلي لجنين منذ يوم العملية، بدأت حين هاجم نحو 200 جندي إسرائيلي المدينة، واستمرت بعدها العمليات داخل المدينة، بسبب اعتبار جنين "تهديداً خطيراً لإسرائيل" بحسب وزير الدفاع، آنذاك، بيني غانتس.

الخوف من جنين الموّحَدة

في جنين، يظهر مشهد غير مألوف عبر توحّد مسلحي نفس الفصائل المنقسمة سياسياً ككتائب شهداء الأقصى التابعة، لفتح وكتائب القسام التابعة لحماس، وكتائب سرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، وتحظى تلك الكتائب بشعبية كبيرة حيث يقدر الجيش الإسرائيلي أن نحو 20% من سكان جنين يؤيدون حماس بينما يؤيد حوالي 25% حركة الجهاد الإسلامي.

سبب إضافي لخطورة انتشار "نموذج جنين"، يعود لقوة الفصائل المسلحة في جنين وقدراتها التنظيمية والتدريبية الأعلى من نظرائها في نابلس، مثل تنظيم عرين الأسود، لذلك ترى إسرائيل جنين معقلاً ورمزاً للعمل المسلح، خاصة في ظل تطوير العبوات الناسفة الأخيرة التي أطاحت بالعربة نمر، بالإضافة لمحاولتي تطوير وإطلاق صواريخ بدائية الصنع تجاه المستوطنات الإسرائيلية، في تطور غير مسبوق، على الرغم من بدائيته.

0:00/0:00

سبب ثالث يضاف إلى "رمزية جنين" يتعلق بحادثة الهروب قبل عامين، عندما تمكن ٦ فلسطينيين من أهالي جنين، الهرب من سجن جلبوع الاسرائيلي شديد الحراسة بعد حفرهم نفقا بأدوات بدائية.

كيف وصلت جنين إلى هذه النقطة؟

المشهد أثار تفاعلاً كبيراً في أوساط الفلسطينيين على مدار أيام: رتل عسكري من مركبات الجيش الإسرائيلي يتقدم لاقتحام جنين بشكل اعتيادي وتنفيذ اغتيالات واعتقالات جديدة، يوم 19 يونيو الماضي، لكن على نحو مفاجئ، انفجرت عبوة متطورة تزن 40 كيلوغراما في أحدث المدرعات الإسرائيلية "النمر" وتتطاير أجزاؤها في الهواء، انطلق بعدها وابل من الرصاص على القوات المقتحمة في اشتباك عنيف أدى لإعطاب ٤ مركبات وإصابة ٧ جنود.

شكل هذا المشهد نقطة تحول مفصلية في الصراع بين الفصائل المسلحة والجيش الإسرائيلي في مدينة جنين، ما دفع الحكومة الإسرائيلية لإرسال طائرة مروحية حربية لقصف المدينة، والتي تضررت أيضاً من رصاص الفلسطينيين، بالإضافة لعدد ضخم من القوات التي شنت هجوماً على جنين لمدة وصلت لـ ١١ ساعة، أودى بحياة ٦ وأصيب فيه نحو 100.

Image 1

في اليوم التالي، قتل فلسطينيان أربعة مستوطنين إسرائيليين بالقرب من مستوطنة عيلي وسط الضفة، حينها استغل التيار اليميني المتطرف الحادثة للدعوة لعمليات عسكرية واسعة النطاق ضد الفلسطينيين على غرار عملية الدرع الواقي عام 2002 حينما دمر الجيش الإسرائيلي أكثر من 340 منزلاً وقتل نحو 53 فلسطينياً في عشرة أيام.

.. والخطة جاهزة منذ عام

أبرز المطالبين بعملية "حاسمة" هو وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير والذي دعا لـ"تفجير البيوت" وقتل "المئات أو حتى الآلاف إذا دعت الحاجة"، بالإضافة لوزير المالية والحاكم الفعلي للضفة الغربية بتسلإيل سموتريش والذي نادى بحملة عسكرية واسعة تستخدم فيها الدبابات والطائرات لمهاجمة الفلسطينيين.

عقب هذه الدعوات، نفذ الجيش الإسرائيلي عملية اغتيال في جنين باستخدام طائرة مسيرة لأول مرة منذ عقدين، في محاولة لإظهار قدرته على الردع وتهدئة الأصوات المطالبة بعملية شاملة، لكن التيار اليميني أصر على موقفه.

تقول الحكومة الإسرائيلية إنها اتخذت قرار العملية العسكرية الحالية قبل عشرة أيام وأبلغت الولايات المتحدة الأميركية بهذا القرار، أي بعد أربعة أيام من تفجير "مدرعة النمر"، وتدّعي إسرائيل بأن "خطة العملية جاهزة منذ عام، وتهدف لاستعادة الردع والحرية العملياتية للجيش في المدينة واجتثاث البنية التحتية للحركات المسلحة".

"الإرهاب القومي"

الأسبوعان الماضيان شهدا تصاعداً حاداً في هجمات المستوطنين ضد عدد من القرى الفلسطينية عبر إحراق عشرات المركبات والبيوت وتدمير المحاصيل في الأراضي الزراعية، ما دفع الجيش الإسرائيلي نفسه لإدانة تلك الهجمات ووصفها بـ "الإرهاب القومي" في خطوة نادرة، لكن دون تدخل حاسم لإيقاف الهجمات أو محاسبة المنفذين.

بيان الجيش ضد المستوطنين أثار غضب الحكومة اليمينية المتشددة، والتي أعلن وزراؤها المتطرفون "الحرب على الأجهزة الأمنية" بحسب تعبير صحيفة هآرتس، فالوزيران بن غفير وسموتريش وغيرهما قالوا إنه "يتوجب على الجيش ترك المستوطنين وشأنهم، وتجنب الاقتراب منهم، والالتفات لعنف الفلسطينيين عوضاً عن ذلك"، وأضاف وزير الأمن بأن "المستوطنين الذين أحرقوا القرى الفلسطينية شباب طيبون".

لذلك تعد العملية العسكرية في جنين رضوخاً لطلب اليمين المتطرف الإسرائيلي في تكثيف التركيز على الفلسطينيين بدلاً من المستوطنين.

العلمية العسكرية في جنين تأتي أيضاً في وقت تحشد فيه المعارضة الإسرائيلية للتظاهر اليوم الاثنين داخل مرافق حيوية للدولة مثل مطار بن غوريون وميناء حيفا، بينما توعد قادة الحراك الاحتجاجي تصعيد خطواتهم ضد سياسات الحكومة، وخطتها تمرير الإصلاحات القضائية.