نقلت قوات فاغنر بندقيتها للاتجاه المعاكس، فبعد أن وجهتها نحو الأوكرانيين للحصول على مدينة باخموت، كان هدفها السبت الداخل الروسي، وتحديدا مدينة روستوف الواقعة جنوبي البلاد، لتبدأ ليلة لم تشهدها موسكو منذ عقود.
حُبست الأنفاس بعد إعلان قائد فاغنر، يفغيني بريغوجين، بدء تحرك قواته إلى موسكو بعد سيطرته على مقر قيادة الجيش في روستوف مطالبا بحضور وزير الدفاع، سيرغي شويغو، ورئيس الأركان فاليري جراسيموف إليه، لكن مكالمة ووساطة حلت الموقف الأكثر تعقيدا منذ بدء العملية العسكرية الروسية بأوكرانيا 2022، فقد تدخل رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو لتُحل الأمور.
الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ظهر في صباح السبت وتحدث عن "الخيانة" وشبح "حرب أهلية"، محذرا الغرب من استغلال الوضع الداخلي في بلاده لتحقيق أهدافه المعادية، لكن الاتحاد الأوروبي من جانبه، اعتبر ما يحدث في روسيا شأن داخلي وأنه ودوله يراقبون الوضع عن كثب.
مستشار الأمن الإقليمى والدفاع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الدكتور سيد غنيم، أشار عبر حسابه على فيسبوك إلى أن وساطة لوكاشينكو تعطي دلالة على عدم ضلوع الولايات المتحدة أو الغرب بشكل عام أو أوكرانيا في ما حدث، ويتفق معه الصحافي ومدير مكتب الراديو الوطني العام الأميركي في موسكو، لوسيان كيم فيرى، في فورين بوليسي إلى أن ما حدث هو "الفصل الأخير" من حكم بوتين الذي يحكم روسيا منذ أكثر من عقدين.
لوكاشينكو حليف بوتين يدير أمور بلاده منذ قرابة ثلاثة عقود ليصبح كما يطلق عليه الغرب "آخر دكتاتور في أوروبا" أخذ على عاتقه التوسط ما بين صديقيه، فقد تدخل صاحب الـ68 عاما نظرا لعلاقته الشخصية ببريغوجين التي تمتد لأكثر من 20 عاما، وأن ما حدث بالتنسيق مع ساكن الكرملين بحسب وكالة الأنباء الروسية تاس.
يتولى رئيس بيلاروسيا شؤون البلاد للفترة السادسة على التوالي في أعقاب انتخابات شابها الكثير من الجدل واتهامات بالتزوير ونزول آلاف المواطنين إلى الشوارع قبل 3 سنوات، ليعده بوتين حينها بتقديم "مساعدة شاملة" حال تعرض مينسك لأي تهديد خارجي.
الاتفاق مع بريغوجين حصل بعد محادثة مسائية طويلة انتهت بما يشبه الصفقة حيث انسحب مقاتلو فاغنر وغادر بريغوجين إلى بيلاروسيا مع إسقاط القضية الأمنية ضده، أما المقاتلون المشاركون في التمرد فلن يتم محاكمتهم "احتراما لأعمالهم على الجبهة" بحسب تعبير المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، مع السماح للآخرين بالانضمام إلى صفوف الجيش الروسي.

بحسب غنيم فإن ما حدث يشكل هزة لهيبة ومكانة الرئيس الروسي وأنه "أول مسمار ظاهر في نعش نظامه الحاكم"، وأن الصفقة مع بيلاروسيا ستؤدي إلى تقويض جماعة فاغنر بشكل تام.
أرض العاصمة البيلاروسية مينسك كانت وجهة القوى الأوروبية وموسكو وكييف لعقد الاتفاقات في ما يخص مستقبل أوكرانيا في أعقاب أزمة 2014 حين بدأت المعارك في إقليم دونباس قبل أن تنهار وتوقع اتفاقية حملت الرقم اثنين في العام التالي، لكنها في أعقاب حرب 2022 أصبحت مصدر قلق لأوكرانيا لاسيما بعد إعلان بوتين نية بلاده نشر أسلحة نووية تكتيكية فيها مؤخرا.
أما المستقبل في ما يخص فاغنر فيبقى بحاجة للاستشراف، فيرى الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، روب لي، أن بوتين وأجهزة الأمن سيحاولون على الأرجح إضعاف فاغنر أو تنحية بريغوجين جانبا، لكن الآثر الأهم سيكون في مناطق وجود فاغنر في الشرق الأوسط وأفريقيا.


