أثار إعلان فريق بحثي عن احتمال رصد أول ثقب أسود بدائي في تاريخ العلم موجة من الحماس داخل الأوساط العلمية، إذ قد يمثل الاكتشاف، إذا تأكد، خطوة كبيرة نحو فهم نشأة الكون وكشف لغز المادة المظلمة الذي حيّر الفيزيائيين لعقود.
لكن سرعان ما شكك عدد من العلماء في النتائج، معتبرين أن الأدلة لا تزال غير كافية، وأن الجسم المرصود قد يكون مجرد جرم سماوي آخر، وليس الثقب الأسود الذي تنبأ به ستيفن هوكينغ قبل أكثر من خمسين عاما، بحسب صحيفة لو تان السويسرية.
ما هو الثقب الأسود البدائي؟
ظهرت فكرة الثقوب السوداء البدائية عام 1971 عندما اقترح الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ أنها تشكلت خلال اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، نتيجة انهيارات جاذبية حدثت في الكون المبكر، وليس بسبب انهيار النجوم كما هو الحال مع الثقوب السوداء المعروفة اليوم.
وتشير النظرية إلى أن هذه الأجسام قد تكون صغيرة جدا، بكتلة تقارب كتلة القمر، لكنها ظلت موجودة حتى اليوم، وقد تفسر جزءا من المادة المظلمة التي يعتقد أنها تشكل معظم كتلة الكون، رغم أنها لا تزال غير مرئية بشكل مباشر.
وتقول صحيفة لو تان إن وجود هذه الثقوب لم يثبت علميا حتى الآن، رغم مرور أكثر من نصف قرن على طرح الفرضية.
لماذا يشكك العلماء في الاكتشاف؟
اعتمدت الدراسة الجديدة، المنشورة في منصة ArXiv، على رصد ظاهرة عدسة جاذبية استمرت نحو ساعة واحدة فقط، وفسرها الباحثون على أنها مرور جسم تبلغ كتلته نحو ثلاثة أضعاف كتلة القمر بين الأرض ونجم بعيد، وأطلقوا عليه اسم "فيبي".
لكن خبراء لم يشاركوا في الدراسة أكدوا أن هذه ليست سوى فرضية من عدة فرضيات ممكنة.
ونقلت صحيفة لو تان عن الفيزيائي جوليان لافال قوله إن الإشارة المرصودة قد تكون ناجمة عن جسم قريب، أو جسم في سحابة ماجلان الكبرى، أو بالفعل ثقب أسود بدائي، مؤكدا أن الغموض الحالي لا يسمح بحسم أي من هذه التفسيرات.
كما أشارت الباحثة فرانشيسكا كالوري إلى أنه لا يمكن استبعاد أن يكون الجسم مجرد كوكب تائه أو قمر أو حتى نجم متغير.
ويعزز هذا التشكيك أن دراسة أخرى أجراها باحثون من مرصد وارسو الفلكي، اعتمادا على البيانات نفسها مع مشاهدات إضافية، خلصت إلى أن الجسم المرصود ليس ثقبا أسود بدائيا، بل نجما متغيرا أسيء تفسير تغير سطوعه.
هل يغير الاكتشاف فهمنا للكون؟
حتى إذا ثبت وجود الثقوب السوداء البدائية، لن يحسم ذلك جميع ألغاز الكون. بحسب الخبراء الذين تحدثوا إلى لو تان، تساعد هذه الأجسام في بعض النماذج على تفسير مرحلة التضخم الكوني والمادة المظلمة، لكنها ليست التفسير الوحيد.
وتوجد فرضيات أخرى تعتمد على جسيمات افتراضية مثل WIMPs أو الأكسيونات لتفسير المادة المظلمة، ما يعني أن الفيزياء الحالية لا تعتمد بالكامل على وجود هذه الثقوب السوداء.
وفي المقابل، قد تسهم التلسكوبات الجديدة، مثل فيرا سي روبين في تشيلي وتلسكوب رومان التابع لناسا، في توفير أدلة أكثر حسما خلال السنوات المقبلة، سواء لإثبات وجود الثقوب السوداء البدائية أو نفيه نهائيا.





