تحولت سلسلة اختفاءات ووفيات غامضة لعلماء أميركيين يعملون في مجالات الفضاء والطاقة النووية إلى واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل داخل الولايات المتحدة، بعدما امتزجت فيها التحقيقات الفيدرالية مع نظريات المؤامرة وأشباح الحرب الباردة وملفات الأجسام الطائرة المجهولة.

وبينما تتحدث وسائل إعلام أميركية عن نحو 11 إلى 13 عالما وباحثا اختفوا أو لقوا حتفهم خلال السنوات الأخيرة، لا تزال السلطات عاجزة عن إثبات وجود رابط حقيقي بينهم، رغم دخول البيت الأبيض ومكتب التحقيقات الفيدرالي على خط القضية.

اختفاء جنرال سابق يشعل القضية

بحسب مجلة رولينغ ستون، بدأت موجة الجدل الواسعة بعد اختفاء الجنرال الأميركي المتقاعد ويليام نيل ماكاسلاند في فبراير 2026 من منزله في ألبوكيركي بولاية نيومكسيكو.

كان الرجل البالغ 68 عاما قائدا سابقا لقاعدة رايت باترسون الجوية المرتبطة تاريخيا بحادثة روزويل الشهيرة الخاصة بالأجسام الفضائية المجهولة.

وأفادت التقارير بأن ماكاسلاند غادر منزله تاركا هاتفه ونظارته وأجهزته الإلكترونية، لكنه أخذ مسدسه وحذاءه الخاص بالمشي، فيما لم تتمكن السلطات حتى الآن من تحديد مكانه.

نقلت صحيفة إل موندو الإسبانية عن زوجته قولها إنها شعرت منذ اللحظة الأولى بأن اختفاءه "كان مخططا له مسبقا".

ومع اتساع الجدل، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب القضية بأنها "أمر خطير للغاية"، بينما أعلنت لجنة الرقابة في مجلس النواب فتح تحقيق رسمي، بعدما قال النائب الجمهوري جيمس كومر إن "شيئا شريرا ربما يحدث".

كما بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتنسيق مع وزارة الطاقة والبنتاغون للتحقيق في أي صلات محتملة بين الحالات المختلفة.

📱

Loading TikTok...

علماء نوويون وخبراء فضاء في قلب الغموض

تضم القائمة التي يجري تداولها أسماء مرتبطة بمختبرات نووية وبرامج فضائية حساسة. ومن أبرزهم الفيزيائي البرتغالي نونو غوميز لوريرو، الذي قتل داخل منزله في ماساتشوستس نهاية 2025 بعد تعيينه مديرا لمركز علوم البلازما والاندماج النووي في معهد إم آي تي.

كما تشمل القائمة عالم الفيزياء الفلكية كارل غريلماير الذي قتل بإطلاق نار في كاليفورنيا، والباحثة آيمي إسكريدج التي انتحرت عام 2022 بعدما تحدثت علنا عن امتلاكها معلومات مرتبطة بالأجسام الفضائية المجهولة.

وتضم الحالات أيضا موظفين وعلماء من مختبر لوس ألاموس النووي ومن مختبر الدفع النفاث التابع لناسا. من بينهم أنتوني تشافيز الذي اختفى من منزله في نيومكسيكو، وميليسا كاسياس التي شوهدت آخر مرة قرب طريق سريع، إضافة إلى مونيكا جاكينتو ريزا التي اختفت أثناء رحلة مشي في غابة قرب لوس أنجلوس.

وبحسب رولينغ ستون، فإن القاسم المشترك بين معظم الحالات هو ارتباط أصحابها بأبحاث الفضاء أو الطاقة النووية أو امتلاكهم تصاريح أمنية حساسة، وهو ما غذى المخاوف من وجود عمليات استهداف منظمة.

📱

Loading TikTok...

نظريات المؤامرة.. الصين وروسيا والأجسام الفضائية

مع غياب تفسيرات واضحة، انفجرت موجة من نظريات المؤامرة على الإنترنت وداخل الأوساط السياسية الأميركية.

قال النائب الجمهوري إريك بورليسون إن القضية تحمل "كل سمات عملية أجنبية"، مضيفا أن الولايات المتحدة "تتنافس مع الصين وروسيا وإيران في التكنولوجيا النووية والأسلحة المتقدمة والفضاء، بينما يواصل علماؤنا الاختفاء".

كما لعب مؤثرون وصناع محتوى دورا كبيرا في تضخيم القضية، إذ زعم اليوتيوبر دانيال ليست، المعروف باسم دارك جورناليست، أن بعض العلماء قتلوا بسبب امتلاكهم معلومات متقدمة حول الاندماج النووي أو تقنيات مرتبطة بالطاقة النظيفة والأسلحة المستقبلية.

وبعض الروايات ذهبت أبعد من ذلك، عبر ربط الاختفاءات ببرامج سرية مرتبطة بالأطباق الطائرة والكائنات الفضائية، خاصة بسبب علاقة بعض العلماء أو العسكريين بملفات روزويل. لكن السلطات الأميركية لم تقدم أي دليل يدعم هذه الفرضيات حتى الآن.

الرياضيات تفكك "اللغز"؟

في المقابل، شكك خبراء وعلماء إحصاء في وجود أي مؤامرة حقيقية. اعتبرت مجلة ساينتفك أميركان أن ما يحدث قد يكون مجرد "وهم إحصائي" ناتج عن تجميع أحداث منفصلة لا رابط بينها. واستندت المجلة إلى ما يعرف بـ"مبدأ اللامعقولية" لعالم الإحصاء ديفيد هاند، الذي يقول إن الأنماط الغريبة تظهر بشكل طبيعي عندما يكون عدد الأحداث كبيرا بما يكفي.

وأوضح هاند أن الولايات المتحدة تشهد سنويا اختفاء نحو 200 ألف شخص، وأن آلاف العلماء يعملون في قطاعات الطاقة والفضاء، ما يجعل وقوع عدد من حالات الوفاة أو الاختفاء بينهم أمرا متوقعا إحصائيا، حتى لو بدا صادما عند جمعه في قصة واحدة.

كما رفضت عائلات بعض الضحايا ربط أحبائها بأي مؤامرة. قالت ابنة العالم مايكل هيكس لشبكة سي إن إن إنها لا ترى أي منطق يربط وفاة والدها بالقضية، بينما أكد والد الباحثة آيمي إسكريدج، وهو عالم سابق في ناسا، أن "العلماء يموتون مثل باقي الناس".

ورغم ذلك، تستمر القضية في جذب اهتمام الإعلام والسياسيين والجمهور، لأنها تجمع بين كل عناصر الإثارة الأميركية التقليدية: علماء نوويون، برامج فضائية سرية، اختفاءات غامضة، وأشباح مؤامرات لا تنتهي.