لم تعد مواجهة تنظيم داعش في سوريا تقتصر على ملاحقة خلاياه وإحباط هجماته، بل باتت تشمل تحدياً أكبر يتمثل في منع التنظيم من إعادة بناء شبكاته واستعادة قدرته على تنفيذ الاغتيالات والهجمات الطائفية، خصوصاً مع تراجع الوجود العسكري الأميركي.
وفي وقت تكثف فيه السلطات السورية عملياتها الأمنية ضد خلايا التنظيم، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة التحولات التي يشهدها داعش، ومن بينها دور مجموعة تُعرف باسم "جند البقاء".
وتعكس التطورات الأمنية الأخيرة حجم هذه التحديات، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية، السبت، تنفيذ ضربات استباقية ضد خلايا داعش، قبل أن تفيد وكالة الأنباء السورية (سانا)، الأحد، بإحباط الاستخبارات السورية مخططاً لاستهداف مصفاة حمص.
وفي اليوم نفسه، أعلنت قوى الأمن الداخلي تفكيك خلية تابعة للتنظيم في دير الزور، اتهمتها بالوقوف وراء سلسلة من الاغتيالات.
لكن إلى أي مدى يستطيع داعش إعادة تنظيم صفوفه وتوسيع نشاط خلاياه؟ وما الذي تعنيه التحولات في أساليب عمله، خصوصاً مع تزايد احتمالات تحرك بعض الخلايا بصورة مستقلة عن القيادة المركزية؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، تحدث موقع "بلينكس" إلى كلارا بروكيرت، الباحثة المشاركة في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب (ICCT) والباحثة في مركز "سوفان" الأميركي، التي تناولت مخاطر إعادة بناء شبكات التنظيم وتحديات مواصلة الضغط عليه.
كما استعرض الخبير الأمني والجيوسياسي الدكتور عامر السبايلة في حديث لـ"بلينكس" تحولات البنية التنظيمية لداعش، ومخاطر انتقال بعض الخلايا إلى اتخاذ قراراتها وتنفيذ عملياتها بصورة مستقلة.
داعش يستغل الفراغ
قالت بروكيرت إن داعش تراجع بشكل كبير في العراق، وإن جهود مكافحة الإرهاب حققت نجاحاً ملحوظاً، أما في سوريا، فأوضحت أن التنظيم لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً ومستمراً، رغم سقوط نظام الأسد، الذي أزال أحد عوامل التجنيد المهمة بالنسبة إليه.
وتابعت أن داعش استغل المرحلة الانتقالية، بما في ذلك حالات الفرار من السجون والأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين لا يُعرف مصيرهم بعد إغلاق مخيم الهول، لإعادة بناء قدراته ومحاولة تنفيذ هجمات أكثر طموحاً، بما فيها هجمات في مناطق حضرية.
وأشارت إلى أن التنظيم لا يزال أكثر نشاطاً في البادية السورية ودير الزور، لكنه لم يعد يمتلك القدرة على السيطرة على الأراضي كما كان خلال العقد الماضي، في ظل الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها بنيته التنظيمية نتيجة عمليات مكافحة الإرهاب.
هذه أبرز التحديات
وعن أبرز التحديات التي تواجهها سوريا، حذرت بروكيرت من مخاطر تنفيذ هجوم واسع يسقط أعداداً كبيرة من الضحايا في صفوف إحدى الأقليات، أو نجاح التنظيم في اغتيال مسؤول حكومي رفيع المستوى.
وقالت إن مثل هذه الهجمات قد تؤدي إلى أعمال انتقامية وتصعيد للعنف الطائفي، بما يفاقم أزمة الثقة بالحكومة السورية ويقوض شرعيتها.
وأضافت أن استهداف المسؤولين الحكوميين يمثل أحد اهتمامات التنظيم، كما لفتت إلى أن استهداف الأقليات وإشعال التوترات الطائفية يمثلان تكتيكاً معروفاً لدى التنظيم، معتبرة أن نجاح هجوم واسع ضد إحدى هذه المكونات من شأنه أن يضعف الحكومة السورية، التي تستند شرعيتها جزئياً إلى قدرتها على حماية جميع المجتمعات.
استمرار الضغط مع تراجع الدعم
وربطت بروكيرت هذه التحديات بتراجع الوجود العسكري الأميركي في سوريا، بما في ذلك الانسحاب من قواعد مثل الشدادي والتنف، والتحول نحو دعم قوات الرئيس أحمد الشرع.
وأشارت إلى أن السلطات السورية نفذت عدداً كبيراً من الاعتقالات، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على مواصلة الضغط الأمني مع تراجع الدعم الدولي.
"جند البقاء".. تحدي الخلايا المستقلة
وفي ما يتعلق بمجموعة "جند البقاء"، قال السبايلة، في تصريحاته لبلينكس، إن تداول اسمها باعتبارها تنظيماً قائماً لا يزال أقرب إلى التسريب منه إلى الإعلان الرسمي عن هوية تنظيم جديد.
وأوضح أن المجموعة التي كانت موجودة في البادية السورية بدأت تبحث عن صيغة جديدة للعمل، ما دفعها إلى التفكير في التنظيم السري، مشيراً إلى أن اختيار اسم "جند البقاء" يعكس صراعاً للبحث عما يمكن أن يستمر، ويحمل رسالة إلى دمشق.
وأضاف أن التنظيم وُلد من رحم داعش، سواء من حيث المنطقة الجغرافية أو الشكل التنظيمي والقدرات والعدد المقدر بنحو 3 آلاف مقاتل، معتبراً أن هذه المعطيات تعني أن المجموعة ليست تشكيلاً عشوائياً أو وليد الصدفة.
وفي ما يتعلق بالقيادة والبنية الداخلية، أشار إلى أن هوية قيادة المجموعة لا تزال غير واضحة، ولم يصدر إعلان رسمي يكشف من يتولى قيادتها. ولفت إلى أن بنيتها تضم مقاتلين أجانب من داعش في سوريا والعراق.
واعتبر السبايلة أن الاختلاف الأبرز بين "جند البقاء" و"داعش" يتعلق بمنهجية العمل؛ ففي حين كان الأخير يسعى إلى الظهور والتمدد وفرض السيطرة، تتجه المجموعة الجديدة، بحسب تقديره، إلى استراتيجية تقوم على البقاء من خلال العمل السري والخلايا المنفردة.
وقال إن هذا التحول يعني أن الخلايا قد تتخذ قراراتها بصورة مستقلة، معتبراً أن هذه النقطة هي الأخطر في طبيعة "جند البقاء"، لأنها تمنح مساحة أوسع للخيارات الفردية في اتخاذ القرارات وتنفيذ العمليات.
71 هجوماً منذ بداية العام
وعلى صعيد الأرقام، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان تنفيذ خلايا تنظيم داعش 71 هجوماً في مناطق متفرقة من سوريا، منذ بداية عام 2026 وحتى 21 أكتوبر الماضي، أسفرت عن مقتل 59 شخصاً، بينهم 44 من العسكريين والأمنيين، و8 من عناصر التنظيم، و7 مدنيين.
وتصدرت دير الزور قائمة المحافظات الأكثر تعرضاً لهجمات التنظيم بـ37 هجوماً، تلتها حلب بـ15 هجوماً، ثم الرقة بـ10 هجمات، فيما توزعت بقية العمليات على محافظات سورية أخرى.
وتعكس هذه الحصيلة استمرار نشاط خلايا التنظيم، مع تمركز الجزء الأكبر من عملياته في شرق سوريا، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال الجماعات المرتبطة به إلى أنماط أكثر سرية ومرونة في العمل.





