على أكتاف رجال الأمن، وبالعلم الأردني والورود البيضاء، ودّعت قرية حمود في محافظة الكرك، الأحد، ثمانية من الضحايا التسعة الذين قُتلوا في الاعتداء على كنيسة القديس جاورجيوس، وسط صلوات وحزن ومشاركة مئات المشيّعين.
وانطلق موكب طويل من السيارات، بينها مركبات تحمل الجثامين، من مستشفى الكرك الحكومي إلى موقع أُعدّ قبالة الكنيسة، حيث أُقيمت الصلاة عن أرواح الضحايا، قبل دفنهم في قبر مستحدث سيُقام فوقه نصب تذكاري تخليدًا لذكراهم، بحسب مصدر رسمي.
ومن المقرر دفن الضحية التاسعة، الاثنين، في مقبرة سحاب جنوب عمّان، وفق عائلته.

صور الضحايا بين المشيّعين
أظهرت صور ومقاطع فيديو لوكالة فرانس برس رجال أمن يرتدون الشماغ الأردني الأحمر والأبيض، ويحملون الجثامين على أكتافهم، وسط حضور تقدّمه رئيس الوزراء جعفر حسان وانتشار أمني.
ووُضعت أكاليل من الورود البيضاء على الجثامين، فيما حمل أفراد من العائلات صور ضحاياهم. وأطلق رجال أمن النار في الهواء، وتعالت زغاريد نساء في المكان الذي خيّم عليه الحزن.
وجاء التشييع بعد يومين من الاعتداء الذي استهدف الكنيسة في القرية الواقعة جنوب الأردن.

"معركة وعي وفكر"
وخلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء، الأحد، استُهلّت بقراءة الفاتحة على أرواح الضحايا، أكد حسان أن أجهزة الدولة كافة تعمل للقبض على منفّذي الاعتداء لينالوا العقوبة التي يستحقونها.
وقال: «هذه ليست فقط معركة أمنية، هذه معركة وعي وفكر»، مضيفًا أن «الشعوب والأوطان تنهار عندما تنتشر الفتنة والعصبية والعنصرية والتطرف في مجتمعاتها».

في موازاة ذلك حملت مجموعة من شباب الكرك باقة ورد إلى مستشفى الأمير علي العسكري، وأرفقتها ببطاقة كُتب عليها "مصابنا واحد". داخل المستشفى، كان جرحى الاعتداء على كنيسة قرية حمود يتلقّون العلاج، فيما توافد آخرون للتبرع بالدم ومواساة عائلاتهم.
وفي القرية الواقعة جنوب عمّان، انشغل عمّال بتنظيف آثار الدماء من كنيسة القديس جاورجيوس ومحيطها، بينما وصل زوّار للتضامن مع أهلها، وسط حزن وصدمة خلّفهما الهجوم الذي استهدف مشيّعين، الجمعة، وأوقع تسعة قتلى و٢٥ جريحًا، وفق آخر حصيلة أوردتها السلطات في تقرير لوكالة فرانس برس.
أجراس الحزن وذاكرة الرصاص
عند الثانية عشرة ظهر السبت، قرعت أجراس الكنيسة التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس، بالتزامن مع أجراس كنائس الأردن، حزنًا على الضحايا.
وبقيت آثار الرصاص واضحة على الجدران والمقاعد الخشبية، وتحطّم زجاج عدد من النوافذ، فيما انتشرت قوات أمنية عند مداخل الكنيسة ومخارجها.
في حمود، التي لا يتجاوز عدد سكانها المئات وغالبيتهم مسيحيون، امتنع كثيرون عن الكلام من شدة الحزن، وانهارت سيدة بالبكاء عندما حاولت صحافية سؤالها.
وكان القائمون على الكنيسة يحضّرون لجنازة الضحايا، المقررة الأحد عند الواحدة ظهرًا، ولدفنهم في قبر جماعي قربها، أرادوه نصبًا تذكاريًا لهم.

جنازة باغتها الرصاص
كان الأب يوحنا حماتي، راعي الكنيسة، يشارك مع نحو ١٧٠ إلى ٢٠٠ شخص في تشييع امرأة من الرعية، عندما بدأ إطلاق النار بعيد الثانية ظهر الجمعة.
وقال لفرانس برس إن المشيّعين لم يستوعبوا في البداية ما يحدث، قبل أن يتدافعوا إلى داخل الكنيسة ويدركوا أنهم يتعرضون لهجوم.
أما الطبيب صايل الخيطان، الذي كان داخلها، فتحدث عن إطلاق نار كثيف استهدف المشاركين في الجنازة خارج الكنيسة وداخلها، وقال إنهم نجوا بأعجوبة.
ووصف وزير الداخلية مازن الفراية المهاجمين بأنهم "مجموعة من المتطرفين". وأظهر تسجيل مصوّر أنهم ثلاثة، وكانوا لا يزالون فارّين وقت إعداد تقرير الوكالة.

وجع يتقاسمه الجيران
أشار الأب حماتي إلى إصابة مسلمين كانوا بين المشيّعين، مؤكدًا أن الاعتداء غريب عن المجتمع الأردني، وأن أبناء المنطقة لا يفرّقون بين مسلم ومسيحي.
وفي ديوان القرية القريب، توافد المعزّون، وبينهم رجال دين ومسؤولون عسكريون وسفير الفاتيكان في الأردن ووجهاء محليون.
وخارج المستشفى، اختصر ماجد جعافر، البالغ ٦٨ عامًا، علاقته بالضحايا وأهلهم بقوله: "المسيحيون أبناء عم وجيران وأقارب. ما بيننا أي شيء إلا المحبة".

ورد ودم للتضامن
كانت الناشطة الشبابية مروج النوايسة تزور مريضًا في المستشفى يوم الجمعة، ولم يكن هاتفها معها لتعرف ما يجري. لكن تتابع سيارات الإسعاف ومشاهد الدماء والجرحى كشف لها حجم المأساة.
وفي اليوم التالي، عادت مع نحو ٢٥ شابًا وشابة، حاملين باقة الورد وبطاقة التضامن باسم "هيئة شباب كلنا الأردن/محافظة الكرك".
وقالت إن الزيارة عبّرت عن الصدمة والألم، وعن علاقة اعتاد فيها المسلمون والمسيحيون مشاركة المناسبات والحياة اليومية.
وكان الملك عبدالله الثاني زار المصابين مرتديًا الزي العسكري، وتوعّد الجناة بقوله: "سنريهم".
أما وسام البرقان، أحد أبناء حمود، فوصل إلى المكان بعد دقائق من فرار المهاجمين، واعتبر أن خطرهم يطاول المجتمع بأكمله، مطالبًا بملاحقتهم واجتثاثهم.





