احتجّت عشرات العائلات، مساء الجمعة، على أوتوستراد المزة في دمشق، وقطعت الطريق رفضاً لإنذارات وجّهتها مؤسسة الإسكان العسكرية، تطالبها بإخلاء المساكن العسكرية التي تقيم فيها.

في المساكن العسكرية بمنطقة المزة بدمشق، لا يبدو الإخلاء مجرد مغادرة لمكان مؤقت، بل بداية أزمة جديدة لعائلات لم تتمكن من ترميم حياتها بعد سنوات من الحرب. فقد وجدت أكثر من 150 عائلة، قدمت من إدلب ومخيمات النازحين عقب سقوط نظام الأسد، في هذه المساكن ملاذاً لها.

محيي الدين لبلينكس: لا نملك بديلاً عن المساكن العسكرية

وقال محيي الدين، أحد سكان المساكن العسكرية، في تصريح خاص لبلينكس، إن العائلات انتقلت إلى المساكن عقب سقوط نظام الأسد، لعدم امتلاكها مكاناً آخر تلجأ إليه.

وأوضح أنه ينحدر من بلدة البحارية في غوطة دمشق، حيث دُمّرت البلدة ومنزله جراء الحرب، ما اضطره إلى الإقامة في هذه المساكن.

وأضاف أن العائلات لم تواجه أي مضايقات خلال عام من إقامتها، قبل أن تتلقى، قبل نحو شهر، إنذارات تطالبها بإخلاء المساكن خلال سبعة أيام، من دون معرفة الأسباب.

كما أشار إلى أن الأهالي حاولوا الاستفسار عن الجهة التي يمكنهم مراجعتها، في ظل تدمير منازل معظمهم وعدم امتلاكهم بديلاً للسكن.

وأوضح أن سكان المساكن ينتمون إلى فئات مختلفة، بينهم موظفون في وزارتي الدفاع والداخلية ووزارات أخرى، إلى جانب عائلات مدنية، لافتاً إلى أن عدداً من الأسر قدم من إدلب ومخيمات النزوح فيها عقب سقوط النظام، بعدما دُمّرت منازلها.

وأشار محيي الدين إلى أن الاستئجار في دمشق بات يفوق قدرة كثير من العائلات، قائلاً إنه يتقاضى راتباً شهرياً لا يتجاوز 600 دولار، ولا يستطيع تحمّل تكاليف استئجار منزل، لا سيما أنه يعيل أسرة تضم أربعة أشقاء قُتلوا خلال الحرب، إضافة إلى أطفال أيتام من أبناء شقيقته.

وأضاف أن الانتقال إلى ريف دمشق سيحمّله أيضاً تكاليف مواصلات مرتفعة للوصول إلى مكان عمله.

وأكد أن العائلات تواجه، منذ نحو شهر، ضغوطاً متزايدة لإخلاء المساكن، قال إنها تشمل قطع الكهرباء والمياه وعدم ترحيل القمامة. وأضاف أن عدداً من الأسر غادر بالفعل واستأجر منازل أخرى، فيما لا تزال العائلات المتبقية عاجزة عن المغادرة بسبب أوضاعها المادية وعدم امتلاكها خيارات سكنية بديلة.

وتواصلت بلينكس مع مؤسسة الإسكان العسكرية للحصول على تعليق بشأن إنذارات الإخلاء ومطالب العائلات، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى وقت إعداد هذا التقرير.

ما هي المساكن العسكرية؟

تعود المساكن العسكرية في دمشق إلى مراحل مختلفة من حكم نظام الأسد السابق، إذ خُصّصت مجموعات من الأبنية لإسكان ضباط وعناصر في الجيش والأجهزة الأمنية وعائلاتهم، ضمن ترتيبات سكنية ارتبطت بالمؤسسة العسكرية.

فيما تنوّعت هذه المساكن بين شقق سكنية تُمنح للعسكريين خلال فترة خدمتهم، وأخرى أنشأتها مؤسسة الإسكان العسكرية ضمن برامج سكنية تُسدَّد قيمتها على أقساط.

وبرزت هذه المساكن في عدد من مناطق العاصمة ومحيطها، أبرزها مساكن المزة العسكرية، ومنطقة السومرية، ومساكن الحرس الجمهوري الممتدة بين ضاحية قدسيا ودمر، إضافة إلى مبانٍ مخصّصة للضباط في منطقة الاتصالات بالمزة.

وتعود نشأة هذه المساكن إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين أُقيمت مساكن لعناصر وضباط سرايا الدفاع، التي كان يقودها رفعت الأسد، ثم توسّعت مع مرور السنوات وأصبحت مرتبطة بتشكيلات عسكرية وأمنية مختلفة.

Image 1

من مساكن الضباط إلى مأوى للعائدين

عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، غادر ضباط وعناصر كانوا يخدمون في جيش النظام السابق مساكن عسكرية في دمشق، ما أدى إلى إخلاء عدد منها. ومع عودة عائلات كانت قد نزحت خلال سنوات الحرب من غوطة دمشق ومناطق جنوب العاصمة إلى إدلب وحلب، تحوّلت بعض هذه المساكن إلى ملاذ مؤقت لعائلات لم تتمكن من العودة إلى منازلها المدمّرة.

وسكنت مئات العائلات في هذه المساكن، بحثاً عن مأوى بعد سنوات الحرب والنزوح، فيما أُخليت العديد من العائلات من مساكن الحرس الجمهوري، المعروفة باسم "العرين"، بقرارات من السلطات الجديدة. واليوم، تواجه العائلات في المساكن العسكرية بمنطقة المزة خطر الإخلاء مجدداً.

Image 1

أزمة السكن

تواجه سوريا واحدة من أعقد أزمات السكن بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، التي خلّفت دماراً واسعاً في المنازل والبنية التحتية، ولا سيما في مناطق غوطة دمشق الشرقية وأجزاء من ريف دمشق وحلب وإدلب وحمص.

ووفقاً لتقديرات دولية، تعرّض نحو 1.3 مليون وحدة سكنية في البلاد للدمار أو لأضرار جسيمة، فيما يحتاج نحو 6.2 مليون شخص إلى مساعدات لترميم المساكن أو تأمين المأوى.

ورغم مرور نحو عامين على سقوط النظام، لا تزال إعادة الإعمار تواجه تحديات كبيرة، فيما لم تتحول الجهود والمبادرات المعلنة إلى إعادة بناء واسعة تتيح للعائلات المتضررة العودة إلى منازلها.