تعاملت إيران لسنوات، مع مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق القوة الاستراتيجية التي تملكها. فالممر الضيق الذي تعبر منه كميات ضخمة من نفط الخليج منح طهران قدرة على تهديد أحد أكثر شرايين الطاقة حساسية في العالم كلما تصاعدت المواجهة مع الولايات المتحدة أو دول المنطقة، لكن تطورات الأشهر الأخيرة طرحت مفارقة مختلفة.
هل تنقلب ورقة هرمز على إيران؟
ففي الوقت الذي نجحت فيه الولايات المتحدة في إعادة جزء متزايد من حركة النفط عبر ممر بحري تؤمّنه عسكرياً، بدأت دول متضررة من اضطراب المضيق البحث جدياً عن طرق تصدير لا تمر به أساساً.
في المقابل، وجدت إيران نفسها أمام صعوبات متزايدة في استخدام المنافذ البرية والبحرية البديلة لتعويض تراجع تجارتها عبر الخليج.
كما رسمت 3 تطورات متزامنة المشهد، كان أولها عودة تدريجية لناقلات النفط عبر ممر تؤمنه واشنطن، ثم تجربة عراقية لنقل نفط الجنوب براً إلى الشمال ومنها إلى تركيا، إلى اختناقات تضرب البدائل التي راهنت عليها طهران.
في حين أتى أول التحولات من داخل المضيق نفسه، إذ ساهم الممر البحري الذي تؤمّنه الولايات المتحدة بمحاذاة الساحل العُماني في رفع تدفقات النفط بصورة كبيرة، وإن ظلت حتى الآن أدنى من مستويات ما قبل الحرب.
وبحسب تحليل أجرته وكالة فرانس برس استناداً إلى بيانات شركتي "Kpler" و"Lloyd’s List Intelligence"، خرج نحو 330 مليون برميل من النفط على متن سفن غير مرتبطة بإيران منذ 8 يوليو، بمتوسط يقارب 4.9 ملايين برميل يومياً.
ثم تسارعت الحركة خلال أغسطس وسبتمبر، ليقترب المتوسط من 8 ملايين برميل يومياً خلال الأيام السبعة المنتهية في 7 سبتمبر، بينما تجاوزت التدفقات 14 مليون برميل في يوم 7 سبتمبر وحده.
بيد أن هذه أرقام مهمة إذا قورنت ببداية الأزمة. فقبل الحرب كان نحو 18 مليون برميل يومياً يعبر المضيق، قبل أن تنخفض الكميات إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً في المرحلة الأولى من القتال، ثم ترتفع إلى 9.4 ملايين خلال فترة المحادثات ورفع القيود.
لكن عودة النفط لا تعني عودة الوضع إلى طبيعته. فالبيانات المتاحة تشير إلى أن التدفقات ما زالت تقارب نصف مستويات ما قبل الحرب، كما أن مراقبة السفن أصبحت أكثر تعقيداً بعدما لجأت ناقلات إلى إطفاء أجهزة إرسال بيانات مواقعها أثناء المرور في الممر المؤمّن أميركياً.
ولهذا أقرت "لويدز" بوجود هامش خطأ في الرصد، بينما قالت "كبلر" إن ثقتها مرتفعة نسبياً في تقديرات إجمالي التدفقات، رغم صعوبة رصد كل عبور لحظة بلحظة.
وبالتالي، لم تُلغَ ورقة هرمز، لكن قدرتها على وقف تدفق النفط بالكامل تواجه محاولة أميركية منظمة لتحييد جزء من تأثيرها.
العراق يبحث عن باب آخر
التحول الثاني يحدث بعيداً عن مياه الخليج. فالعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير نفطه عبر الجنوب ومن ثم مضيق هرمز، بدأ تجربة عملية لنقل جزء من خام حقوله الجنوبية بالشاحنات إلى منشأة تخزين في كركوك، تمهيداً لضخه ضمن منظومة التصدير الشمالية باتجاه ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.
ووفقا لوكالة "رويترز"، أتى المشروع ضمن جهود أوسع لتعزيز الطريق الشمالي بعدما عطلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران صادرات العراق عبر هرمز، وهو منفذه الرئيسي للنفط.
كما كشفت أن التجربة بدأت في 13 سبتمبر واستمرت يومين، نقلت خلالهما أكثر بقليل من 6 ملايين لتر من الخام، أي نحو 38 ألف برميل، بواسطة 209 شاحنات تبلغ سعة الواحدة منها 30 ألف لتر.
رغم ذلك، لا تزال الأرقام صغيرة إذا قيست بحجم صادرات العراق، ولذلك لا يشكل المشروع حتى الآن بديلاً فعلياً واسع النطاق عن هرمز.
فالتدفقات الحالية من شمال العراق باتجاه جيهان تقدر بنحو 200 ألف برميل يومياً، مقابل نحو 250 ألفاً قبل الحرب، كما يواجه المشروع قيوداً مرتبطة بعدد الشاحنات المتاحة، وقدرات تحميل الخام في الحقول الجنوبية، وحالة الطرق والتصاريح الأمنية واللوجستيات.
لكن دلالة التجربة تتجاوز الكمية التي نقلتها الشاحنات، فالعراق المنتج الكبير للنفط بدأ فعلياً اختبار إمكانية نقل خام مستخرج في أقصى الجنوب باتجاه الشمال، ليصل إلى البحر المتوسط بدلاً من الخليج. وإذا توسعت البنية التحتية مستقبلاً، فإن ذلك يعني امتلاك بغداد هامشاً أكبر لتقليل تعرض صادراتها لأي اضطراب جديد في هرمز.
أي أن الأزمة لا تدفع الدول فقط إلى البحث عن طريقة للعبور من المضيق، وإنما عن طريقة لعدم دخوله أصلاً.
إيران تبحث عن مخارج.. فتواجه الاختناق
وهنا تظهر المفارقة الثالثة. فبينما تبحث دول المنطقة عن منافذ بديلة، تحاول إيران نفسها تحويل جزء أكبر من تجارتها إلى البر والسكك الحديدية وبحر قزوين لمواجهة الحصار الأميركي.
لكن تحقيق ذلك يبدو أكثر صعوبة. فبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، علق مئات سائقي الشاحنات الإيرانيين عند الحدود مع باكستان، فيما ظهرت مشكلات مشابهة على حدود إيران مع تركيا وتركمانستان وأفغانستان، وسط عراقيل بيروقراطية وارتفاع في التكاليف، ينسب السائقون جزءاً منها إلى الإجراءات الإيرانية نفسها.
والنتيجة لم تعد مجرد تأخير في حركة الشاحنات، حيث تلفت شحنات من المشمش، بينما تعطلت حمولات من خام الحديد والأسمنت والغاز المعبأ عند بعض المعابر.
وفي الوقت نفسه، أظهرت مقاطع مصورة تداولت على وسائل التواصل رافعات متوقفة في ميناء الشهيد رجائي، أكبر موانئ الحاويات التجارية الإيرانية، فيما تحدث متخصصون في قطاع النقل عن آلاف الحاويات العالقة في موانئ خارج إيران.
كذلك كانت المشكلة أكثر حساسية بالنسبة إلى الواردات، فبحسب الصحيفة، يمر نحو 70% من واردات إيران من السلع الأساسية عادة عبر الموانئ المتأثرة بالحصار.
ورغم استثناء الغذاء والسلع الإنسانية نظرياً، فإن إحجام شركات شحن عن خدمة السوق الإيرانية يضيف طبقة أخرى من الصعوبات.
خطة إيران البديلة.. دون جدوى؟
أمام الوضع، حاولت طهران إيجاد حلول، فدفعت باتجاه زيادة الحركة عبر بحر قزوين.
وقال مسؤولون إيرانيون إن حركة العبور هناك ارتفعت بنحو 70% خلال 5 أشهر.
كذلك كثفت إيران استخدام خط الشحن بالسكك الحديدية الذي يربط طهران بمدينة شيآن الصينية، في محاولة لتعزيز طريق بري طويل نحو أهم شركائها التجاريين.
وبحسب البيانات التي أوردتها "وول ستريت جورنال"، ارتفعت الرحلات من رحلة أسبوعياً إلى رحلة كل 3 أو 4 أيام منذ بدء الحصار.
لكن هذه المخارج ليست محصنة من السياسة أو الجغرافيا، فالطرق البرية تمر عبر دول أخرى ومعابر يمكن إغلاقها، والنقل بالشاحنات والقطارات لا يمتلك بسهولة القدرة الاستيعابية والكلفة نفسها التي يوفرها الشحن البحري، فيما تبقى العقوبات الأميركية عائقاً أمام شركات النقل والتأمين والخدمات المرتبطة بالتجارة الإيرانية.
وهكذا تتحول عملية تجاوز هرمز بالنسبة إلى طهران إلى شبكة طويلة من نقاط الاختناق، بدلاً من ممر بحري واحد، لكن هذا لا يعني أن مضيق هرمز فقد أهميته.
فالأرقام نفسها تظهر العكس، حيث لم تعد التدفقات بعد إلى مستويات ما قبل الحرب، وأي اضطراب أمني جديد يستطيع التأثير في إمدادات الطاقة والأسعار وحركة الشحن العالمية.
رغم ذلك، تكشف التطورات الأخيرة أثراً استراتيجياً آخر للأزمة، مفاده أن كلما طال اضطراب هرمز، ازدادت الحوافز لدى الدول المتضررة لبناء طرق تتجاوزه، خصوصا وأن الولايات المتحدة تعمل على إبقاء ممر بحري قابلاً للاستخدام تحت حماية عسكرية. والعراق يختبر توجيه نفط الجنوب شمالاً إلى تركيا.
أما دول أخرى في المنطقة، فتعمل على تعزيز طرق برية وخطوط أنابيب ومنافذ لا تعتمد حصراً على المضيق.
لتبقى إيران، التي لطالما امتلكت ميزة جغرافية شديدة الحساسية في هرمز، تجد نفسها مضطرة إلى خوض السباق ذاته، لكن تحت ضغط العقوبات والحصار ومحدودية البدائل.





