لم يعد الخطر المرتبط بالذكاء الاصطناعي مجرد سيناريو مستقبلي عن آلات تتمرد على البشر. فتحقيقات جديدة لشركة "أنثروبيك" تكشف أن مجرمين وجهات مرتبطة بدول وبائعي برامج تجسس وباحثين استغلوا نماذجها بالفعل في أنشطة تمتد من تطوير الأسلحة والمساعدة في أبحاث بيولوجية خطرة إلى مراقبة المعارضين وصناعة الدعاية السياسية.

وفي تقرير استخباراتي من 154 صفحة، عرضت الشركة أبرز حالات إساءة استخدام نموذجها "كلود" التي رصدتها بين ديسمبر 2025 وأغسطس 2026، مؤكدة أنها ليست حالات اعتيادية، بل نماذج لأكثر الأنشطة تهديداً وابتكاراً التي وصلت إلى منصتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

علماء يتجاوزون الحواجز

أخطر ما كشفه التقرير تمثل في 5 حالات استخدم فيها علماء "كلود" في أبحاث بيولوجية حساسة، بعدما تحايل بعضهم على القيود المفروضة على الدول والمناطق غير المدعومة، وحاولوا إخفاء الغرض الحقيقي من عملهم.

ومن بين الحالات باحث استعان بالنموذج لإعداد طلب منحة حكومية لدراسة فيروس "شيكونغونيا"، الذي ينقله البعوض ويسبب الحمى وآلاماً شديدة قد تستمر أشهراً. ورغم إمكانية توظيف هذه الأبحاث في تطوير اللقاحات، فإنها قد تحمل استخدامات مزدوجة تشمل تطوير أسلحة بيولوجية.

كما أثار المشروع قلق "أنثروبيك" بصورة خاصة بعدما تبين أن الدراسة ستُجرى داخل معهد أبحاث عسكري. وأعلنت الشركة حظر الحسابات المرتبطة بهذه الحالات، لكنها لم تكشف أسماء المؤسسات أو الدول المعنية، موضحة أنها لم تتمكن من الجزم بنوايا الباحثين.

Image 1

من المراقبة إلى صناعة السلاح

ولم تقتصر الانتهاكات على المختبرات. فقد رصدت "أنثروبيك" عمليات تجسس إلكتروني روسية، وهجمات سريعة هدفها اختراق الأنظمة وسرقة أكبر قدر من البيانات، إلى جانب برنامج مقره الصين استهدف مراقبة الإيغور في سوريا، ونشاط آخر لتعقب معارضين في الداخل.

كذلك استُخدم "كلود" في حملات دعائية مرتبطة بروسيا وماليزيا وإيران وبنغلادش، وفي تطوير برمجيات لأسلحة تقليدية داخل اليمن والصين وروسيا، شملت أسلحة نارية وصواريخ ومسيّرات مسلحة وقنابل وذخائر أخرى.

Image 1

طائرات تضرب أهدافها

ويكشف التقرير التقني المرفق أن قدرات النماذج تجاوزت تقديم المعلومات النظرية. ففي اختبارات محاكاة، تمكنت نماذج متقدمة من كتابة وتحسين برمجيات تساعد طائرات مسيّرة على تعقب مركبات وضربها وإسقاط حمولات فوق أهداف، فضلاً عن محاولة مواصلة الطيران عند التشويش على نظام تحديد المواقع.

وفي أبسط سيناريو، نجح نموذج "Opus 5" في إصابة مركبة متوقفة خلال 80% من المحاولات، وانخفضت النسبة إلى 47% عندما تحركت المركبة، ثم تراجعت بصورة حادة أمام الأهداف المموهة أو المراوغة.

وتؤكد الشركة أن الاختبارات جرت في بيئة افتراضية، لكنها ترى نتائجها مؤشراً إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على توفير خبرات عسكرية كانت تتطلب سابقاً مهندسين متخصصين.

أما في مجال المراقبة، فقد تمكنت نماذج متقدمة من تحديد مواقع صور خارجية بهامش خطأ وسطي بلغ 37 كيلومتراً، متفوقة في الاختبار على بعض أفضل البشر المتخصصين في تحديد المواقع.

كما استطاعت تحليل عشرات آلاف الكلمات وربط الحسابات الرقمية بأصحابها خلال دقائق، ما قد يخفض تكلفة تعقب الأفراد ويجعل المراقبة الواسعة متاحة لجهات أصغر وأقل تمويلاً.

الذكاء الاصطناعي يختصر سنوات الخبرة

وترى "أنثروبيك" أن الخطر لا يكمن في امتلاك النماذج القدرة على تصنيع الصواريخ أو الأسلحة بصورة مستقلة، بل في اختصار الوقت والخبرة اللازمين لتطويرها.

فبرمجيات التوجيه والملاحة وتحليل الصور كانت تتطلب فرقاً من المهندسين والمحللين المدربين، بينما تستطيع النماذج الآن كتابة الشيفرات واختبارها وتحسينها خلال سلسلة متتابعة من المحاولات. وهذا التحول قد يمنح جماعات مسلحة محدودة الإمكانات قدرات كانت حكراً على الدول، ويساعد الجهات الأكثر تمويلاً على تسريع برامجها العسكرية والاستخباراتية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

خصوصيتك قد تكشف موقعك

وأظهرت الاختبارات أن الخطر يبدأ أحياناً من تفاصيل تبدو عادية ينشرها المستخدم بنفسه. إذ استطاعت النماذج تحليل صور ومنشورات وحسابات متعددة، ثم ربط الهويات الرقمية واستنتاج مواقع أصحابها من أسماء الشوارع واللهجات والجامعات ووسائل النقل والفرق الرياضية المحلية.

وفي إحدى التجارب، حلل نموذج متقدم نحو 37 ألف كلمة خلال 11 دقيقة فقط، وهي كمية تحتاج من المحلل البشري إلى ساعتين ونصف لقراءتها، ووقت أطول بكثير لربط معلوماتها. وتحذر الشركة من أن هذه السرعة قد تجعل تعقب المعارضين والصحفيين والناشطين أقل تكلفة وأكثر اتساعاً.

وتخلص "أنثروبيك" إلى أن تطور النماذج سيضاعف هذه المخاطر ما لم تتحرك الشركات والحكومات معاً لبناء وسائل حماية أقوى، محذرة من أن المشكلة لا تخص "كلود" وحده، بل تمتد إلى صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها.