لم يعد حزب "البديل من أجل ألمانيا" مجرد قوة احتجاجية تستثمر غضب الناخبين، بعدما حقق فوزاً ساحقاً في انتخابات ساكسونيا-أنهالت، واضعاً اليمين المتشدد أمام فرصة قيادة حكومة محلية للمرة الأولى في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ورغم أن الاقتراع جرى في ولاية شرقية محدودة السكان، فإن نتائجه تحولت إلى استفتاء على حكومة المستشار فريدريش ميرتس وإنذار سياسي لأوروبا.
نكسة تاريخية لحزب ميرتس
وبحسب وكالة فرانس برس، حصل "البديل من أجل ألمانيا" على نحو 44% من الأصوات، مقابل أقل من 18% للاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة ميرتس.
فيما أظهرت توقعات هيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية العامة فوز الحزب بـ39 مقعداً من أصل 83، أي أقل بثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة اللازمة للحكم منفرداً.
واعتبرت الرئيسة المشاركة للحزب أليس فايدل أن النتيجة تثبت أن ميرتس أصبح "عبئاً كبيراً" على ألمانيا، مؤكدة أن الناخبين يريدون تغييراً في السياسة.
أما زعيم الحزب في الولاية أولريش زيغموند، البالغ 35 عاماً، فسخر من المستشار بوصفه "عنصراً ممتازاً" في حملة الحزب الانتخابية، في إشارة إلى أن إخفاقات الحكومة الاتحادية غذّت صعود اليمين.

الفوز لا يضمن الحكم
ولا يضمن الفوز وصول "البديل" تلقائياً إلى الحكم. فالحزب يحتاج إلى استقطاب ثلاثة نواب من كتل أخرى أو العثور على شريك ائتلافي.
ووفق فرانس برس، قد يؤدي حزب "تحالف سارة فاغنكنشت" اليساري الشعبوي والمؤيد للتقارب مع روسيا دور "صانع الملوك"، بعدما جددت الأحزاب التقليدية رفضها التعاون مع اليمين ضمن سياسة "الجدار الناري".
لكن استبعاد الحزب الفائز يضع خصومه أمام معضلة صعبة. فبقاء الاتحاد المسيحي الديمقراطي في السلطة قد يتطلب ائتلافاً يضم مختلف الأحزاب الأخرى، بما فيها حزب "دي لينكه" المنتمي إلى أقصى اليسار، وهو خيار يبدو سياسياً شديد التعقيد.
وأقر النائب المحافظ سيب مولر بأن "البديل من أجل ألمانيا" هو الحزب الذي يملك فعلياً التفويض لتشكيل الحكومة المحلية.

نسخة ألمانية من "ماغا"
وتمنح النتيجة الحزب فرصة لتسويق ما يشبه "ماغا ألمانيا": حركة قومية تعد باستعادة بلد قوي ومتجانس، وتحمّل الهجرة والنخب السياسية والإعلام مسؤولية التراجع الاقتصادي والاجتماعي.
وقد تأسس "البديل" عام 2013 حزباً مشككاً في الاتحاد الأوروبي، قبل أن يتحول إلى قوة قومية معادية للهجرة، رسخت حضورها خصوصاً في ولايات شرق ألمانيا الأقل ازدهاراً.
لكن نسخة "ماغا" الألمانية تحمل بعداً أوروبياً أكثر خطورة. فبحسب وكالة رويترز، يدعو الحزب إلى فرض قيود واسعة على الهجرة، وتقليص دعم أوكرانيا، واستعادة العلاقات مع موسكو، والخروج من اليورو.
ورغم أن حكومة ولاية لا تستطيع تغيير السياسة الخارجية الألمانية، فإنها تملك نفوذاً على التعليم والشرطة والإدارة وسياسات اللجوء والإعلام المحلي، فضلاً عن قدرتها على طرح مبادرات داخل المجلس الاتحادي.
ميرتس أمام أخطر اختبار
ويواجه ميرتس الآن أخطر اختبار منذ توليه المستشارية في مايو 2025.
فبحسب فرانس برس، اجتمعت قيادة الاتحاد المسيحي الديمقراطي لتحليل الهزيمة، وسط حديث سابق عن وجود قيادات تفكر في استبداله.
ووصف نائب المستشار لارس كلينغبيل النتيجة بأنها "إشارة إلى برلين"، بينما توقع أستاذ العلوم السياسية أوليفر ليمبكه إعادة تشكيل واسعة للمشهد الحزبي الألماني.
استحقاقان بعد الزلزال
ولن يملك المستشار وقتاً طويلاً لاحتواء الصدمة، إذ تنتظر ألمانيا انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين في 20 سبتمبر. وتشير الاستطلاعات، وفق فرانس برس، إلى تقدم "البديل" في الأولى بنسبة قد تصل إلى 37%، وإلى منافسة شديدة في العاصمة.
لذلك قد لا يكون فوز ساكسونيا-أنهالت حدثاً محلياً عابراً، بل بداية انتقال اليمين من المعارضة إلى أبواب السلطة، وإشارة إلى أن "الجدار الناري" الذي حاصره سنوات بدأ يتصدع تحت ضغط صناديق الاقتراع.





