دخلت المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا مرحلة جديدة بعد اكتمال عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية وإنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة، بالتزامن مع تعيين قائدها السابق مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية السورية.
ففي 25 أغسطس، أعلن عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة "قسد" وحلها كقوة عسكرية مستقلة، مؤكداً اندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية. وبعد ذلك بثلاثة أيام، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً بتعيين عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، في خطوة اعتُبرت من أبرز رموز الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية بين الطرفين إلى مسار سياسي داخل مؤسسات الدولة.
انقسام بالشارع
مع إعلان حل "قسد" وتعيين عبدي، انقسم الشارع الكردي بين مؤيد للاتفاق الأخير بينه وبين الشرع، ورافض، أو متحفظ على بنوده وطريقة تنفيذه، وسط تساؤلات حول ما إذا كان إنهاء القوة العسكرية الكردية سيقابله ضمان فعلي للحقوق السياسية والثقافية واللغوية للأكراد.

ورغم هذا الانقسام، هناك إجماع على أن إنهاء الحرب وتجنب مواجهة عسكرية جديدة مع دمشق أمر إيجابي، خصوصاً بعد سنوات من القتال وما خلفته من خسائر ونزوح وتوترات سياسية وأمنية في المناطق الكردية الرئيسية الثلاث وهي الجزيرة وكوباني/عين العرب وعفرين.
كما يرى أنصار الاتفاق أن التسوية مع دمشق تفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة، وتمنح الأكراد فرصة لتثبيت حقوقهم ضمن مؤسسات الدولة السورية، فيما يخشى الرافضون أن يكون دمج "قسد" قد جرى قبل الحصول على ضمانات دستورية وسياسية كافية.
تغيير محدود على الأرض
أما على الأرض، لم تشهد المناطق ذات الغالبية الكردية تغييراً كبيراً حتى الآن، فموظفو مؤسسات "الإدارة الذاتية" و"قسد" في معظمهم جرى تثبيتهم كموظفين في مؤسسات الدولة السورية، فيما رُفع العلم السوري في بعض الأماكن.
بخلاف ذلك، تبدو الحياة اليومية والمؤسسات والخدمات في معظم المناطق على حالها تقريباً، ولا تزال الأمور تسير كما كانت قبل تنفيذ الاتفاق، في مؤشر على أن الانتقال يجري بصورة تدريجية أكثر منه تغييراً جذرياً وفورياً.

كما يمثل تعيين عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية أحد أبرز رموز المرحلة الجديدة، فهو الذي قاد "قسد" لسنوات وانتقل أخيراً من قيادة قوة عسكرية مستقلة إلى موقعٍ رسمي داخل مؤسسات الدولة السورية.
عن هذا رأى الصحافي الكردي المقيم في القامشلي آرين شيخموس، أن اتفاق الدمج يمثل تسوية لإنهاء صراع رعتها عدة أطراف، من بينها الولايات المتحدة وإقليم كردستان العراق، وأن موافقة "قسد" عليها جاءت في ظل تغير الظروف التي لم تعد لمصلحتها.
كما اعتبر شيخموس في حديث لـ"بلينكس"، أن التسوية قد لا تلبي جميع المطالب الكردية، لكنها تمثل خطوة أولى جيدة، خصوصاً مع تعيين مظلوم عبدي في الرئاسة، وترتيبات الدمج الأمني والعسكري والإداري، إضافة إلى ملفات الجنسية واللغة والحقوق الثقافية.
وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تبني على ما تحقق، وأن يتم تثبيت الحقوق الكردية دستورياً، خصوصاً قضية اللغة، باعتبارها من أكثر الملفات حساسية لدى الأكراد السوريين.
اللغة الكردية..مطالب تتجاوز التدريس
بالمقابل، يأتي ملف اللغة في مقدمة القضايا التي تشغل الشارع الكردي في الوقت الحالي، فقد اعترفت السلطات السورية باللغة الكردية كلغة وطنية، وأقرت حق تدريسها في المدارس العامة والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكردية.
لكن القرار لم ينهِ الجدل، إذ شهدت مناطق كردية، أمس الأحد، تظاهرات شارك فيها طلاب ومعلمون وأهالٍ، للمطالبة بأن تتجاوز الخطوة تدريس الكردية كمادة دراسية إلى اعتمادها لغةً للتعليم وتدريس المناهج بها، وضمان هذا الحق دستورياً.
ويعتبر هذا الملف من أبرز نقاط الجدل في المرحلة الحالية، إذ يرى كثير من الأكراد أن الاعتراف باللغة خطوة مهمة، لكن المطلوب هو تثبيت مكانتها دستورياً وضمان استخدامها في التعليم والإدارة.
عن هذا رأى آرام عقيل، الذي يدير منظمة تربوية، أن وجود مظلوم عبدي في الرئاسة لا يشكل بحد ذاته ضمانة للحقوق الكردية.
وقال لـ"بلينكس"، إن الحقوق الكردية أكبر من أن ترتبط بمنصب استشاري لشخصية كردية، مؤكداً أن ضمانها يتطلب بنوداً دستورية تضمن الاعتراف الرسمي وشراكة سياسية حقيقية بين مختلف مكونات الشعب السوري، لا سيما الأكراد.
وأضاف أن اعتراضه على دمج "قسد" يتعلق بطريقة وتوقيت وشروط الدمج، معتبراً أن تسليم القوة العسكرية قبل الحصول على ضمانات دستورية واضحة قد يضع الحقوق الكردية مستقبلاً أمام إرادة السلطة المركزية.
أيضا وجد عقيل أن الحل الأفضل كان يتمثل في بناء عقد سياسي جديد لسوريا يقوم على الشراكة واللامركزية، ويضمن مشاركة الأكراد والسريان والآشوريين والدروز والعلويين والإيزيديين وبقية المكونات في إدارة البلاد، مع تثبيت حقوقهم السياسية والثقافية واللغوية والدينية دستورياً.
مرحلة مختلفة
يذكر أنه ومع انتهاء وجود "قسد" كقوة عسكرية مستقلة، تنتقل المسألة الكردية في سوريا إلى مرحلة مختلفة، يصبح فيها الرهان أكبر على السياسة والمؤسسات والنصوص الدستورية، بعدما خرج الملف من إطار القوة العسكرية إلى اختبار مدى قدرة الاتفاق على إنتاج ضمانات سياسية وقانونية دائمة.
أما اتفاق الدمج، فأتى تتويجاً لمسار طويل من التفاوض بين الحكومة و"قسد"،خصوصا وأنه تعثر أكثر من مرة قبل أن يستأنف في ظل التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية.
وكان الشرع وعبدي قد توصلا في يناير الماضي، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ودمج القوات والمؤسسات التابعة لـ"قسد" ضمن الدولة السورية، بعد تعثر اتفاق مارس 2025.





