لم تعد قوة أوكرانيا في حرب المسيّرات مرتبطة بعدد الطائرات التي تطلقها، بل بالبرنامج الذي يربطها بمصادر المعلومات ويحدد أهدافها ويوجّهها خلال دقائق. هذا البرنامج يحمل اسم "دلتا"، وتصفه كييف بأنه "الجهاز العصبي" لجيش مسيّراتها.
ويجمع "دلتا" بيانات ميدان المعركة، من تسجيلات المسيّرات وصور الأقمار الاصطناعية إلى الاتصالات اللاسلكية المعترضة وتقارير الوحدات العسكرية، ثم يعرضها على خريطة رقمية موحدة تستطيع القوات الأوكرانية متابعتها في الوقت الفعلي، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
وعندما يُكتشف هدف روسي، تُسجّل إحداثياته على الخريطة وتصبح متاحة فوراً للوحدات القريبة، ما يسمح بإرسال مسيّرة هجومية أو توجيه المدفعية نحوه من دون المرور بسلسلة طويلة من الاتصالات والأوامر.
وبحسب ضباط أوكرانيين، أسهم النظام في إقامة "منطقة قتل" تمتد لأميال على خطوط المواجهة، حيث يمكن رصد الجنود والمركبات والمعدات الروسية واستهدافها خلال وقت قصير. وينسب مسؤولون أوكرانيون إلى هذه المنظومة دوراً في إبطاء التقدم الروسي على الجبهة.
من 20 دقيقة إلى 3 دقائق
أبرز ما غيّره "دلتا" هو تقليص ما يعرف عسكرياً بـ"سلسلة القتل"، أي الفترة بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة.
ففي السابق، كان نقل موقع هدف معادٍ إلى المدفعية يستغرق 20 دقيقة على الأقل، بسبب الاعتماد على الاتصالات اللاسلكية وتسلسل الأوامر بين الوحدات. أما اليوم، فتستغرق العملية بين ثلاث وخمس دقائق، وفق ضابط في فيلق "خارتييا" الأوكراني.
ولا يكتفي النظام بعرض مواقع الأهداف، بل يحتفظ بسجل كامل لكل هدف، يتضمن موعد اكتشافه وعدد المرات التي تعرض فيها للهجوم والوحدات التي استهدفته. ويساعد ذلك القوات على تجنب ضرب معدات دُمّرت سابقاً أو تكرار أساليب ثبت فشلها.
كما يستطيع البرنامج جمع مشاهدات متفرقة تبدو غير مهمة عند النظر إليها منفردة، ثم ربطها للكشف عن تحركات أو مواقع مخفية. وفي إحدى الحالات، قادت البيانات التي جمعها "دلتا" إلى اكتشاف طاقم مدفعية روسي كان مختبئاً.
نظام وُلد قبل الغزو
بدأ تطوير "دلتا" عام 2014 على أيدي متطوعين أوكرانيين استخدموا المسيّرات لتحسين دقة المدفعية خلال القتال ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا.
وكانت المشكلة آنذاك في بطء نقل المعلومات، إذ تختفي الأهداف غالباً قبل وصول إحداثياتها إلى الوحدات القادرة على ضربها. لذلك أنشأ المطورون خريطة رقمية مشتركة تسمح بتسجيل الأهداف وتبادل مواقعها بسرعة.
ولم يتبنَّ الجيش الأوكراني النظام على نطاق واسع في البداية، إذ ظل يعتمد على الخرائط الورقية وأجهزة الاتصال التقليدية. لكن الغزو الروسي عام 2022 غيّر الموقف، بعدما استخدمت كييف "دلتا" لجمع المعلومات العسكرية وبلاغات المدنيين عن تحركات الأرتال الروسية المتجهة نحو العاصمة.
وبحلول العام الماضي، أصبح "دلتا" نظام إدارة ميدان المعركة الموحد للقوات الأوكرانية.
الغرب يحاول اللحاق
أثار النظام اهتمام الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ووصف وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول قدرته على دمج المسيّرات وأجهزة الاستشعار ومنصات إطلاق النار في شبكة واحدة بأنها "مذهلة"، مقراً بأن النظام الأميركي لا يمتلك المستوى نفسه من التكامل.
وتعمل أوكرانيا الآن على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى "دلتا"، عبر أدوات دُرّبت على ملايين الساعات من تسجيلات المسيّرات لاكتشاف الأهداف.
كما طورت مساعداً ذكياً باسم "سبيكتر"، يمكنه تحليل البيانات والإجابة عن أسئلة القادة خلال التخطيط للعمليات. وبذلك تنتقل المنافسة من امتلاك أكبر عدد من المسيّرات إلى القدرة على معالجة المعلومات واتخاذ القرار والضرب بسرعة أكبر.





