لم يكن الجدل داخل إيران بشأن التفاوض مع الولايات المتحدة ومذكرة إسلام آباد وليد الساعات الأخيرة، بل يعود إلى بداية المسار التفاوضي نفسه، فيما أعادت التحركات الدبلوماسية الأخيرة والوساطة الباكستانية فتح الخلاف على مستوى أوسع داخل دوائر الحكم في طهران.

فقد دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، عن مواصلة المسار التفاوضي، مؤكداً أن الحرب ليست دائماً طريقاً لتجاوز المشكلات، وأن نهج طهران يقوم على التفاهم وحل القضايا عبر التفاعل والمفاوضات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

جاء موقف بزشكيان في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الداخلية لمذكرة تفاهم إسلام آباد، التي أُعلن التوصل إليها في يونيو بوساطة باكستانية، والتي تضمنت وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وبينها البرنامج النووي والعقوبات الأميركية.

الخلاف قديم

منذ انطلاق المسار التفاوضي، لم يكن هناك إجماع داخل إيران على جدوى الحوار مع واشنطن. فبينما رأى التيار المحسوب على الحكومة أن التفاوض يمكن أن يتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية ووقف التصعيد، حذر متشددون من أن أي اتفاق قد يتحول إلى تنازل أمام الولايات المتحدة.

وتجدد هذا الانقسام مع محاولة إعادة إحياء مذكرة إسلام آباد، حيث كان رئيس تحرير صحيفة "كيهان" والمقرب من المرشد الإيراني، حسين شريعتمداري، من أبرز المنتقدين للمسار، إذ اعتبر أن العودة إلى التفاوض لا ينبغي أن تأتي على حساب ما يراه حقوقاً ومصالح استراتيجية لإيران.

في المقابل، رفض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف التعامل مع التفاوض باعتباره مرادفاً للاستسلام، قائلاً إن "التفاعل مع العالم يختلف عن التبعية والاستسلام"، وإن التفاوض ليس قيمة بحد ذاته، لكنه ليس أمراً محرماً أيضاً.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

فيما يعكس هذا السجال خلافاً أوسع داخل المؤسسة السياسية الإيرانية حول أفضلية استخدام التفاوض كأداة لانتزاع تنازلات من واشنطن في ظل الضغط العسكري والاقتصادي.

الوسيط في قلب الانتقادات

لم يقتصر الخلاف على مضمون التفاوض، بل امتد إلى دور باكستان نفسها كوسيط.

فإسلام آباد لعبت دوراً مركزياً في تقريب المواقف بين طهران وواشنطن، واستضافت جولات تفاوضية خلال الحرب، قبل أن تساهم في التوصل إلى التفاهم الذي حمل اسمها.

وتقول باكستان إنها تواصل العمل على منع التصعيد وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.

لكن الوساطة الباكستانية واجهت بدورها شكوكاً وانتقادات داخل إيران، خصوصاً مع تغير الاصطفافات الإقليمية.

وفي الأسابيع الأخيرة، دعا شريعتمداري إسلام آباد إلى التخلي عن دور الوسيط بين طهران وواشنطن، في موقف يعكس حجم الحساسية الإيرانية تجاه طبيعة الدور الذي تؤديه باكستان.

إلى ذلك، تزداد حساسية هذا الدور مع زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، بعد محادثة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ووفق مصادر نقلتها وكالة "رويترز"، طلب ترمب من منير استخدام نفوذ بلاده لدفع إيران إلى العودة إلى المفاوضات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بزشكيان يواجه المنتقدين

في هذا السياق، بدا خطاب بزشكيان الأربعاء دفاعاً عن خيار التفاوض أكثر منه إعلاناً عن مسار جديد.

وقال الرئيس الإيراني إن المشكلات التي تواجهها بلاده ناجمة عن "ضغوط غير إنسانية ووحشية"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الإيرانيين قادرون على القتال إذا لزم الأمر، قبل أن يضيف أن الحرب ليست الخيار الوحيد.

وفي البرلمان، دخل محمد باقر قاليباف على خط السجال بشكل مباشر، رداً على دعوات شريعتمداري إلى رفض الحوار مع المسؤولين الأميركيين.

وأكد قاليباف أن التفاوض لا يعني التنازل، محذراً في الوقت نفسه من تحويل كل نتيجة تفاوضية إلى "خيانة". واعتبر أن رفض"التغريب" لا يعني رفض كل حوار مع الخارج، خصوصاً عندما تجري طهران التفاوض من موقع القوة بهدف تحصيل حقوق الإيرانيين.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

يذكر أن هذه الخلافات تأتي بينما تكثف باكستان تحركاتها لإعادة إطلاق المسار السياسي. وقال مسؤولون باكستانيون إن زيارة منير إلى طهران حققت "تقدماً كبيراً" في ملفات منع التصعيد، وإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.

كما يستعد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لزيارة طهران في إطار جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، في وقت تتحرك فيه عُمان أيضاً على خط الاتصالات.

لكن عودة الوسطاء لا تعني أن الطريق إلى اتفاق جديد بات سهلاً، فطهران تريد العودة إلى الالتزامات التي تضمنتها مذكرة إسلام آباد، بينما تواصل واشنطن الضغط الاقتصادي وتفرض عقوبات جديدة، في حين لا تزال الثقة بين الطرفين محدودة.