بعد نحو عقدين من الغموض، بدأ أحد أكثر الملفات النووية غموضا في الشرق الأوسط يكشف بعض أسراره، إذ دخل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية موقعا سوريا غير معلن، عثر فيه على "بضع أطنان" من المواد النووية، بحسب صحيفة ليزيكو الفرنسية.

بدأت الوكالة أعمال حفر واستكشاف في موقع دير الزور الذي دمرته إسرائيل عام 2007، وخلصت لاحقا إلى أنه كان على الأرجح مفاعلا نوويا قيد الإنشاء.

لم تظهر هذه الموادّ نتيجة تفتيش مفاجئ، بل بعدما أبلغت السلطات السورية الجديدة الوكالة بوجودها، وقدمتها باعتبارها جزءا من "الإرث الذي خلفه النظام السابق".

لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تغلق الملف. على العكس، فإن العينات التي جمعتها الوكالة والأسئلة التي لا تزال بلا إجابة قد تفتح فصلا جديدا في قصة البرنامج النووي السوري الذي ظل النظام السابق ينفي وجوده.

فماذا كان موجودا بالفعل؟ وإلى أي مدى وصل مشروع بشار الأسد؟ وهل كانت دمشق تمتلك مجردّ بقايا من برنامج نووي توقف قبل اكتماله، أم أن المواد المكتشفة يمكن أن تكشف عن نشاط أوسع مما كان معروفا؟

أطنان بقيت في الظل.. وموقع لم يكن على الخرائط

في 18 يوليو الماضي، أبلغت دمشق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفق ما نقلته ليزيكو، بوجود موادّ نووية في موقع لم يكن معلنا سابقا.

وقال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إن السلطات أبلغت الوكالة "من تلقاء نفسها" بوجود هذه الموادّ، ووصفتها بأنها جزء من الإرث الذي خلفه النظام السابق.

بعد ذلك، وصل المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، إلى الموقع مع فريق من المفتشين، حيث جرى التحقق من وجود اليورانيوم المعدني وأخذ عينات للتحليل.

وبحسب غروسي، فإنّ الكمية تبلغ "بضع أطنان" من الموادّ النووية، وهي كمية وصفها بأنها يمكن أن تستخدم بطريقة سيئة، مؤكدا أن الموادّ ستخضع للحساب والرقابة ضمن نظام الضمانات الدولي.

لكن الرقم وحده لا يقدم الإجابة التي يبحث عنها المفتشون. فـ"بضع أطنان" من المواد النووية لا تعني تلقائيا وجود برنامج لصناعة سلاح نووي، كما تؤكد ليزيكو.

تحتاج الوكالة إلى تحديد طبيعة هذه المواد وتركيبها ومصدرها وكيف وصلت إلى الموقع، وهي أمور يفترض أن تكشف عنها نتائج العينات التي أخذها المفتشون.

يمكن استخدام اليورانيوم المعدني كوقود في مفاعل نووي، كما يمكن أن يدخل في تركيب رأس نووي، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال. لكن وجوده وحده لا يكفي لإثبات أن سوريا كانت تعمل على إنتاج سلاح نووي.

وتفيد الصحيفة بأن المادة قد تكون ظلّت مخزنة في سوريا لنحو عقدين، ما يعني أن ما عثرت عليه الوكالة اليوم قد يكون جزءا من قصة بدأت في السنوات الأولى من حكم بشار الأسد، ولم تنته فعليا مع تدمير مفاعل دير الزور.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

دير الزور.. المبنى الذي دمرته إسرائيل ولم تختف أسراره

تعود القصة إلى أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عندما بدأت سوريا، بحسب ما أوردته وول ستريت جورنال، في بناء مفاعل نووي سري بمساعدة كوريا الشمالية.

كان المفاعل يعمل بتبريد الغاز وتعديل الغرافيت، ويعتقد أنّه صمم على غرار مفاعل يونغبيون الكوري الشمالي.

وفي سبتمبر 2007، دمرت غارات إسرائيلية المنشأة التي عرفت باسم "الكبر"، قبل أن تكتمل. ولم تكشف إسرائيل رسميا عن مسؤوليتها عن الهجوم إلا بعد سنوات، بينما قدمت واشنطن معلومات حول العملية في 2008.

لكن تدمير المبنى لم ينه القصة، إذ قامت سوريا لاحقا بتسوية الموقع، ولم تقدم إجابات كاملة عن أسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي 2011، خلص مجلس محافظي الوكالة إلى أن دمشق لم تتقيد بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات، خصوصا بسبب عدم إعلانها عن موقع دير الزور وعدم تقديم المعلومات وإتاحة الوصول المطلوبين.

ثم جاءت أدلة مادية يصعب تجاهلها، حيث تمكن مفتشو الوكالة في 2024 من أخذ عينات من ٣ مواقع، وقالت الوكالة في 2025 إنها عثرت على آثار يورانيوم في أحدها.

والآن عاد المفتشون إلى دير الزور نفسه. ويقول غروسي إنّ فريقه كان داخل الموقع، حيث تجري "أعمال حفر واستكشاف واسعة" للبحث عن أدلة جديدة.

كما زار موقعا آخر كان يستخدم لتخزين الغرافيت، وهي مادة كانت سوريا قد اشترت كميات كبيرة منها لاستخدامها في المفاعل.

ونقلت وول ستريت جورنال عن خبراء أن الوكالة لا تزال لا تعرف إلى أي مدى تمكن نظام الأسد من بناء دورة وقود نووي داخلية قادرة على تحويل الكعكة الصفراء إلى يورانيوم معدني يمكن استخدامه في المفاعل.

كما لا يزال غير واضح إلى أي مدى وصل النظام في تطوير قدرة على فصل البلوتونيوم وتحويله إلى صورة يمكن استخدامها في سلاح نووي، وهي قدرة كانت كوريا الشمالية تشتبه في مساعدتها لسوريا على تطويرها.

سوريا الجديدة تفتح الأبواب.. لكن الخطر لم ينته

ورثت السلطات السورية الجديدة ملفا نوويا ظلّ نظام بشار الأسد لسنوات يرفض تقديم إجابات بشأنه، قبل أن تتجه دمشق بعد سقوطه نهاية 2024 إلى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في مارس 2024، وقبل سقوط الأسد، كانت دمشق والوكالة قد استأنفتا النقاش حول الأنشطة النووية السابقة، وتمكن المفتشون من زيارة ٣ مواقع وأخذ عينات بيئية.

وبعد تغيير السلطة، كثفت الحكومة الجديدة تعاونها مع الوكالة، وصولا إلى تعهدها في يونيو 2025 بالتعاون عبر "شفافية كاملة" والسماح بعودة المفتشين إلى دير الزور.

وبحسب غروسي، تمثل هذه الخطوة "أهمية هائلة" بالنسبة للملف، بينما قال الشيباني إن المواد المكتشفة لا تشكل خطرا وفق التقييمات الفنية، وإنها ستبقى تحت سيطرة الدولة السورية وتحت نظام ضمانات الوكالة الدولية.

لكن الخبراء لا ينظرون إلى المسألة بهذه البساطة، إذ يرى ديفيد أولبرايت، مفتش الأسلحة السابق ورئيس معهد العلوم والأمن الدولي، أنّ نقل الموادّ النووية خارج سوريا هو الخيار المفضل، بسبب حالة عدم الاستقرار التي قد تسمح مستقبلا بإساءة استخدامها من جانب حكومة جديدة أو جماعة إرهابية تستولي عليها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

في المقابل، يرى مايكل سينغ، الذي تولى ملف سوريا النووي في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة جورج بوش، أن المخاطرة قد تكون مقبولة إذا أدى وضع المواد تحت التفتيش والضمانات إلى ترسيخ تعاون سوريا مع الوكالة على المدى الطويل.

أما تشارلز ليستر، الباحث البارز ومدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، فيرى أن الحكومة السورية الجديدة تبدو مصممة على "طي الصفحة" وإعادة تقديم نفسها بصورة مختلفة تماما عن النظام السابق في ما يتعلق بملفه النووي.