بعد نحو ثلاثة عقود على القانون السابق، دخل لبنان مرحلة تشريعية جديدة مع صدور قانون الإعلام الذي طال انتظاره، في محاولة لمواكبة تحولات عميقة شهدتها المهنة، من صعود المنصات الرقمية إلى تبدّل أدوات النشر واتساع فضاء التعبير خارج المؤسسات التقليدية.
لكن القانون، الذي طُرح بوصفه خطوة لتحديث تشريعات باتت متقادمة، سرعان ما تحوّل إلى محور جدل واسع، وسط تساؤلات واعتراضات بشأن بعض مواده وتأثيرها المحتمل على حرية الصحافة والتعبير، ليصبح السؤال الأبرز: ماذا غيّر القانون، ولماذا أثار كل هذه الضجة؟
من أين استوحى المُشَرِّعون القانون الجديد؟
لم يكن القانون اللبناني الجديد معزولاً عن التجارب الدولية، بل استند إلى نماذج تشريعية حاولت لجنة الإعلام والاتصالات الإفادة منها من دون نقلها حرفياً.
واستلهم المشرّعون مبادئ التشريع الفرنسي الذي يُعدّ الأكثر تقدّماً في حماية المصادر وتنظيم المؤسسات الإعلامية، ومن التشريع البريطاني الذي يضع ضوابط دقيقة للبث والمحتوى، ومن تشريعات أوروبية عدة تنظّم عمل الإعلام السمعي والبصري عبر الإنترنت، وتضع قواعد للإعلانات السياسية.
كما استفادوا من التجربة التونسية التي تُعتبر نموذجاً عربياً في منع السجن في قضايا النشر وتعزيز حرية التعبير.
هذا المزج بين التجارب الخارجية جاء بهدف إنتاج قانون حديث، لكنّ تطبيقه بقي محكوماً بالواقع السياسي اللبناني الذي لا يشبه أيّاً من تلك النماذج.
ما الجديد الذي حمله القانون؟
القانون الجديد قدّم للمرة الأولى تعريفاً واضحاً للصحافي باعتباره من يمارس عملاً إعلامياً مهنياً منتظماً داخل مؤسسة مرخّصة ويتقاضى أجراً مقابل عمله، وهو تعريف استبعد الناشطين على مواقع التواصل وصانعي المحتوى غير المهني والصحافيين المستقلين الذين لا يعملون من ضمن مؤسسات مرخّصة، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حيال طبيعة المهنة وحدودها في زمن الإعلام الرقمي.
القانون وضع إطارا قانونيا للإعلام الإلكتروني، فشمل المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية والصفحات الإعلامية والبودكاست والقنوات الرقمية، وألزمها بالتسجيل لدى وزارة الإعلام، وهو بند اعتبره البعض تنظيماً ضرورياً بينما رأى آخرون أنه قد يتحول إلى مدخل للرقابة.
محكمة إعلامية خاصة
من أبرز ما جاء به القانون إنشاء محكمة إعلامية خاصة للنظر في قضايا النشر، في محاولة لفصل هذه القضايا عن القضاء الجزائي العادي وبخاصة عن المحكمة العسكرية وتوحيد الاجتهاد القضائي وضمان عدم توقيف الصحافي قبل المحاكمة.
غير أن إدخال عقوبة السجن في بعض الفقرات والمواد ظلّ مثار قلقٍ وريبة لدى المدافعين عن حرية الصحافة، خشية أن تُستخدم هذه الاستثناءات للالتفاف على الضمانات القضائية المُعلنة.
إدخال عقوبة السجن في بعض الحالات جعل هذه المحكمة موضع جدل، خصوصاً أن وزير الإعلام بول مرقص كان قد قدّم مشروع القانون من دون أي عقوبة سجن، مستلهماً التجارب التي تمنع سجن الإعلاميين في قضايا الرأي، لكن اللجان النيابية المشتركة أدخلت العقوبة خلال النقاشات في حالات تتعلق بالقدح والذم والتحريض الطائفي ونشر أخبار تهدد السلم الأهلي والتشهير المتعمّد بمؤسسات الدولة، ما دفع الوزير إلى إعلان نيته تقديم اقتراح قانون جديد لإلغاء عقوبة السجن.
انتقادات للقانون الجديد
الانتقادات التي وُجهت للقانون الجديد لم تقتصر على مسألة السجن، بل شملت أيضاً السماح بتعدد النقابات الإعلامية، وهو بند رأى فيه كثيرون خطوة قد تشرذم الجسم الإعلامي وتفتح الباب أمام نقابات حزبية وتضعف القدرة على حماية الصحافيين.
كذلك شملت الانتقادات تعريف الصحافي الذي اعتُبر ضيقاً وغير قادر على استيعاب التحولات التي فرضها الإعلام الرقمي، إضافة إلى إلزام المنصات الرقمية بالتسجيل، وهو ما حذرت منه منظمات حقوقية معتبرة أنه قد يتحول إلى أداة رقابية، فضلاً عن غياب حماية مطلقة للمصادر الصحافية، وعدم وضوح إجراءات المحاكمة أمام المحكمة الإعلامية الجديدة.
قراءة نقدية موسّعة
الكاتب علي حمادة استغرب أن يستبعد القانون الجديد تعريف الصحافي العامل في الإعلام الرقمي، وهو ما يخلق فجوة بين الإعلام التقليدي والحديث، وأن القانون لم يعالج مسألة حماية الصحافي المستقل الذي يعمل خارج المؤسسات التقليدية، وهو ما يجعل جزءاً كبيراً من الإعلاميين خارج إطار الحماية القانونية.
فيما رأى المحامي نزار صاغية أن القانون يُدخل الإعلام اللبناني في مرحلة ملتبسة لأنه يجمع بين عناصر تحديث مهمة وبين قيود قد تُستخدم للحد من حرية التعبير.
واعتبر أن إدخال عقوبة السجن يتعارض مع الاتجاه العالمي نحو إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وأن بعض المواد تمنح السلطة التنفيذية قدرة واسعة على التدخل في الإعلام الرقمي بما قد يفتح الباب أمام رقابة غير مباشرة.
وأشار إلى أن القانون لم يكرّس حماية كافية للمصادر الصحافية، وأنه يحتاج إلى مراجعة تضمن استقلالية القضاء الإعلامي.
أما القاضي السابق حكمت الحاج فاعتبر أن إنشاء المحكمة الإعلامية خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه رأى أن النص الحالي لا يحدد صلاحيات المحكمة بدقة، ما قد يؤدي إلى تضارب صلاحياتها مع تلك المتعلقة بالمحاكم الجزائية.
الحاج أوضح أن القانون لم يعالج مسألة حماية الصحافي المستقل الذي بات جزءاً ً من المشهد الإعلامي، وأنه يحتاج إلى تعديلات تضمن سرعة البتّ في القضايا وتمنع استخدام القضاء كأداة ضغط على الإعلام.
الإعلامي غسان شربل انتقد جواز تعدد النقابات، فرأى أنها خطوة غير مدروسة لأنها تضعف وحدة الجسم الإعلامي وتفتح الباب أمام تأسيس نقابات حزبية، ورأى أن النقابة الواحدة تشكل مظلة جامعة للإعلاميين وتمنحهم قدرة أكبر على الدفاع عن حقوقهم.
واعتبر أن القانون الجديد يحمل عناصر تحديث مهمة، لكنه يحتاج إلى مراجعة شاملة لحماية حرية التعبير.
في المقابل، أوضح وزير الإعلام بول مرقص أن النقابات التي تنظم العمل الصحافي والإعلامي ليست نقابات إلزامية مثل نقابات المحامين والأطباء التي تلزم الانتساب إليها لممارسة المهنة، وتاليا يمكن للصحافي أن يعمل في المهنة سواء انتسب إلى نقابة أو لم ينتسب.
تعديلات مطلوبة لحماية الحريات
القانون الجديد للإعلام في لبنان هو خطوة تشريعية كبيرة جاءت بعد أعوام من الجمود، لكنه لا يزال في حاجة إلى مراجعة وتعديلات لكي يصبح قانوناً عصرياً يحمي حرية التعبير ولا يقيّدها، ويواكب التحولات الرقمية التي باتت تشكل جوهر العمل الإعلامي الحديث. النقاش في شأن القانون سيبقى مفتوحاً، لأن مستقبل الإعلام في لبنان لا يُرسم بنصوص فقط، بل بإرادة سياسية تحرص فعلاً على حماية الحريات العامة والخاصة.





