نفط رخيص، ناقلات تختفي عن شاشات التتبع، وشحنات بملايين البراميل تتحرك عبر البحار بعيداً عن أعين العقوبات.. في نهاية هذه الشبكة يظهر اسم "هنغلي"، عملاق صناعي صيني قليل الشهرة خارج بلاده، لكنه يدير إمبراطورية تتجاوز إيراداتها السنوية 100 مليار دولار.

وتتهم الولايات المتحدة ذراع التكرير التابعة للمجموعة بأنها أصبحت لاعباً رئيسياً في شراء النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، بمليارات الدولارات، بينما تنفي "هنغلي" بشكل قاطع إجراء أي تجارة مع إيران، وتؤكد التزامها بالقوانين والأنظمة المعمول بها.

من النسيج إلى إمبراطورية بـ100 مليار دولار

برز حجم نفوذ "هنغلي" العام الماضي، عندما استدعى الرئيس الصيني شي جين بينغ عشرات من قادة كبرى الشركات الخاصة للمشاركة في اجتماع نادر لمناقشة الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، وفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".

المجموعة، التي يعني اسمها بالصينية "القوة الأبدية"، توسعت لتشمل البتروكيماويات والمنسوجات وبناء السفن، وتوظف أكثر من 300 ألف شخص، فيما تتجاوز إيراداتها السنوية 100 مليار دولار.

أما تشن جيانهوا، مؤسس "هنغلي" ورئيسها، البالغ 55 عاماً، فتحول إلى واحد من أغنى رجال الصين، بثروة تقدر بنحو 20 مليار دولار، مقارنة بملياري دولار قبل نحو عقد، فيما تتجاوز ثروة زوجته فان هونغوي، التي ترأس أعمال البتروكيماويات والتكرير، 5 مليارات دولار.

Image 1

سر النفط الرخيص

جزء من قصة "هنغلي" يرتبط بشبكة المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم "أباريق الشاي"، والتي أصبحت مشترياً أساسياً للنفط الخاضع للعقوبات.

ووفق تقرير للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، تجاوزت مشتريات الصين من النفط الإيراني 30 مليار دولار العام الماضي، مستوعبة الجزء الأكبر من صادرات طهران النفطية.

ويقول أشخاص مطلعون على عمليات الشركة إن "هنغلي" تشتري النفط الخاضع للعقوبات منذ أواخر 2020 على الأقل، وإن مشترياتها توسعت بعد الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.

فيما ساعدت الخصومات الكبيرة الشركة على خفض تكاليفها، إذ كان الخام الروسي والإيراني يباع أحياناً بخصم يصل إلى 25% عن أسعار السوق.

وتعود جذور هذا التحول إلى عام 2015، عندما بدأت بكين منح المصافي الخاصة حرية أكبر في استيراد الخام من الخارج.

وبعد تشديد إدارة دونالد ترامب العقوبات على إيران في 2018، اتجه العديد من تلك المصافي نحو النفط الإيراني الأرخص.

وبين 2017 والعام الماضي، تضاعفت واردات الصين المقدرة من النفط الإيراني إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وكانت المصافي المستقلة مسؤولة عملياً عن معظم تلك الواردات، وفق وزارة الخزانة الأميركية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"أسطول الظل" يدخل على الخط

لكن إيصال النفط الخاضع للعقوبات إلى الصين يتطلب شبكة أكثر تعقيداً. وتقول مصادر في صناعة الشحن ومسؤولون أميركيون إن ناقلات ضمن ما يعرف بـ"أسطول الظل" تستخدم أساليب مختلفة لإخفاء تحركاتها ومصدر حمولاتها.

وتقول وزارة الخزانة ووسطاء في القطاع إن "هنغلي" استقبلت شحنات إيرانية من عدد من هذه الناقلات، بينها ثلاث سفن خاضعة للعقوبات الأميركية نقلت وحدها أكثر من خمسة ملايين برميل من الخام الإيراني منذ 2023.

ومن أبرز الأمثلة ناقلة "Seeker 8"، التي تشير بيانات التتبع إلى أنها وصلت إلى مصفاة "هنغلي" في يناير بعدما تلقت مليوني برميل من الخام الإيراني كان مصدرها جزيرة خرج الإيرانية.

وعندما اقتربت السفينة من ميناء "هنغلي" في جزيرة تشانغشينغ، توقفت عن بث موقعها لعدة أيام. وبعد استئناف الإرسال، أظهرت البيانات تغيراً في غاطسها بنحو 30 قدماً، وهو ما يتوافق، بحسب محللين، مع تفريغ ناقلة محملة بالنفط لشحنتها.

وبعد ثلاثة أشهر، فرضت واشنطن عقوبات على السفينة ضمن مجموعة من 19 ناقلة متهمة بنقل النفط والمنتجات البترولية الإيرانية.

Image 1

العقوبات لا توقف التوسع

في أبريل، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على وحدة التكرير التابعة لـ"هنغلي"، لكن المجموعة رفضت الاتهامات ووصفتها بأنها "لا أساس لها"، كما هاجمت العقوبات الأميركية الأحادية.

وبكين بدورها أعلنت معارضتها للعقوبات، ودعت الشركات الصينية في مايو إلى عدم الامتثال لإدراج عدد من المصافي، بينها "هنغلي"، على القوائم الأميركية، مؤكدة أنها ستتخذ ما يلزم لحماية أمن الطاقة الصيني.

في الوقت نفسه، تواصل إمبراطورية "هنغلي" نموها. فبعد استحواذها في 2022 على أصول حوض لبناء السفن في داليان بنحو 300 مليون دولار، حولته إلى ثاني أكبر حوض لبناء السفن في الصين.

واللافت أن ذراع بناء السفن، غير المشمولة بالعقوبات، أبرمت بعد أسابيع فقط من استهداف وحدة التكرير صفقات بأكثر من ملياري دولار لبناء ناقلات وسفن لعملاء أوروبيين، فيما امتلأ دفتر طلبياتها حتى عام 2030 بعقود تتجاوز قيمتها 25 مليار دولار.